السبت - 04 سبتمبر 2021 - الساعة 06:13 م بتوقيت اليمن ،،،
البعد الرابع/سوث24- خليل الزكري:
اكتسبت محافظة تعز أهمية استثنائية في خارطةالصراع اليمني، نظرا لموقعها المفتاحي الذي يجعلها عقدة مواصلات حيوية بينالمحافظات الشمالية والجنوبية واطلالها المباشر على مضيق باب المندب. إضافة الىالرمزية السياسية التي تحظى بها المحافظة باعتبارها بؤرة نشطة للحراك الفكريوالحزبي الذي جعلها عصية على التنصيف، وحولها لاحقا الى ساحة معقدة من الصراع الذييكثف الى حد كبير تناقضات و تشابكات الازمة اليمنية.
لاعبون رئيسيون
و يتواجد في تعز ثلاث قوى رئيسية(هي حزبالإصلاح و جماعة الحوثي والمقاومة الوطنية) تقاسمت السيطرة الجيوسياسية علىالمحافظة نظرا لامتلاكها اذرع مسلحة. و إلى جانب هذا الثلاثي تبرز بعض المكونات والفعالياتالسياسية والمدنية الساعية للتأثير في مسار الاحداث، إضافة إلى قوات المجلسالانتقالي التي تتموضع في بعض المديريات الجنوبية الغربية للمحافظة ورغم نفوذهاالعسكري فإنها ترفض حتى الآن أن تلعب دورا سياسيا استباقيا في المحافظة ملتزمةبحدودها الجنوبية.
تُحكِم مليشيا الحوثي الانقلابية، المدعومة منإيران، سيطرتها على أجزاء واسعة من شرق وشمال المدينة (وهي مديريات شرعب الرونة وشرعب السلام و مقبنة، والتعزية وماوية) وأجزاء من غرب المحافظة (في مديريتي مقبنةوجبل حبشي)، إضافة إلى مديريتي حيفان ودمنة خدير في الريف الجنوبي الشرقيللمحافظة، وتفرض حصارا خانقا على المدينة، التي لم تعد تتنفس إلا عبر شريان واحد يربطهابالعاصمة عدن.
بالمقابل تتموضع قوات طارق صالح (المقاومةالوطنية)المدعومة إماراتياً، والعاملة ضمن القوات المشتركة، في مديريات المحافظة علىالساحلي الغربي، تشاركها بعض الوحدات الجنوبية في مديريتي موزع والوازعية القريبتينمن مديرتي المخا وذو باب الساحليتين.
أما حزب الإصلاح (فرع الإخوان المسلمين فياليمن)، فيفرض سيطرة كاملة خصوصا من الناحية العسكرية والأمنية على باقي المحافظة(وتحت غطاء الشرعية)، حيث تتموضع مليشياته والقوات الموالية له في وسط المدينةوغربها وأجزاء واسعة من أحياء جنوب شرقي المدينة، والمدينة القديمة التي كانتتتمركز فيها قوات القيادي السلفي المعروف بـ "أبوالعباس"، وجرى إخراجه منها بتهمهأنه موالي للإمارات, ثم وسع "الإصلاح"سيطرته الكاملة على مديريات ريف تعز الجنوبي المعروف بـ "الحُجرية"، بعدأن تم اغتيال العميد عدنان الحمادي قائد اللواء 35 مدرع في نهاية العام 2019،واجتياح المنطقة بعد ذلك بأشهر، بقوات كبيرة تتهم أنها تُمول من قطر وتركيا،بالذات ما يعرف بمليشيات "الحشد الشعبي"التي أسسهاالقيادي الإخواني حمود سعيد المخلافي، وتحتإشراف محور تعز العسكري. بهدف السيطرة على "الحجرية" والتوسع باتجاهالساحل الغربي، ومناطقالجنوب.
توسيع النفوذ وإحكام السيطرة
منذمنتصف العام 2017، لم تخض القوات الحكومية في تعزأي عملية عسكرية حقيقية ضد مليشيا الحوثي، وتحديدا بعد أن بدأ حزب الإصلاح، يحكمسيطرته على مفاصل المؤسستين العسكرية والأمنية، وأجرى العديد من التغييرات فيالجيش والأمن، بإزاحة القيادات التي يعتقد أنها مناوئة له وتمكين عناصر غير كفؤه،وظلت العمليات القتالية تراوح بين الكر والفر في محيط تبة السلال بالجبهة الشرقية والجبهةالشمالية للمدينة.
كماشكل "الإصلاح" العديد من الوحدات العسكرية بدونقرارات جمهورية وحدد مسرح عملياتها بعيدا عن قيادة المنطقة الرابعة التي تقع تعزضمن نطاقها، وأوكل قيادتها لعناصره من خارج الجيش الذي أعلن ولائه للشرعية. كما أسندمهام قيادة الكتائب في الوحدات التابعة لمحور تعز العسكري إلى أبناء قيادات المحوروأشخاص من"ذوي السوابق" والمطلوبين أمنيا وبعض "الفارين" من السجون،حتى تسهل عملية السيطرة عليهم وتوجيههم لتنفيذ مخططاته وأجنداته في المحافظة، وفقاًلمراقبين، ومن هذه الوحدات "اللواء الرابع مشاة جبلي"، الذي كشف بشكلجلي عن توجه"إخواني" للسيطرة على "الحُجرية" علىحساب اللواء 35 مدرع، الذي كان يصنفه "الإصلاح"، على رأس قائمة العوائق التيتحد من توسيع نفوذه وسيطرته.
وعقب اجتياح "الحجرية" في 22 أغسطس2020، نشر حزب الإصلاح المئات من مسلحيه والقوات الموالية له في مسرح عملياتاللواء 35 مدرع، وسيطرعلى المرتفعات الاستراتيجية في المنطقة، والتي تطل على مناطق الجنوب.كما حاول التوسع في مناطق الصبيحة بالتحديد في مديرية طور الباحة، وشكلمحورا عسكريا فيها بدون قرار رسمي معلن، وأوكلقيادته لأحد أعضاء الحزب ويدعى أبوبكر الجبولي، الذي كان يعمل مدرساً، وسبق أن عينه"الإصلاح" قائدا للواء الرابع مشاة جبلي، واستقطب العشرات من أبناءالمنطقة وضمهم إلى قوات المحورالجديد. وحتى اليوم، لازال "الإصلاح" يحاول خلقخطوط مواجهة محتملة مع خصمه اللدود المجلس الانتقالي الجنوبي في المنطقة، غير أناتفاق الرياض يكبح كل خططه وجموحه خصوصاُ تجاه الجنوب حتى اللحظة، كما يؤكد المراقبون.
تغير مجرى الصراع
ويقول مراقبون أنَّ حزب الإصلاح يغلف تحركاته وسعيهفي توسيع نفوذه بغطاء "الشرعية" مسنوداً بـ "ماكينة إعلامية" ضخمةمحلية وكذلك خارجية مرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، إضافة إلى تسخيره الإعلامالرسمي، من قنوات وصحف ومواقع الكترونية، لتبرير توجهاته وتحركاته، وإظهارها بأنَّهافي سياق معركة استعادة الدولة ومواجهة الحوثيين، ومهاجمة أي صوت مختلف ومناهض لهذهالتحركات.
ويشير المراقبون إلى أنَّ العديد من قيادات حزبالمؤتمر العليا المحسوبة على تعز تسنُد حزب الإصلاح في توجهاته وتتغاضى عن كل ما يخططله، بعد أن ضمن لها استمرار مصالحها وبعض الامتيازات التي كانت تحظى بها في عهد النظامالسابق. ومن هذه القيادات رشاد العليمي الذي يشغل مستشار رئيس الجمهورية، محافظ المحافظةالحالي نبيل شمسان، المحافظ الأسبق علي المعمري، سلطان البركاني الرئيس الحالي لمجلسالنواب المنتهية ولايته، وعضو مجلس النواب محمد مقبل الحميري، وغيرهم من القيادات المحليةالمرتبطة بهم، أبرزهم وكيل المحافظة عارف جامل، إضافة إلى بعض من قيادات الأحزاب الأخرىفي المحافظة. وهذا ما أعطى حزب الإصلاح "غطاءً" للتحرك بأريحية تامة في تعز،كما يرون.
ومنذ اغتيال الحمادي، وما سبقه من حملاتتشويه تبناها ناشطو حزب الإصلاح ضده، والسيطرة على مسرحعمليات اللواء 35 الذي كان يقوده، لجهة تمكين المليشيات التابعة للحزب، يؤكد محللون،أنَّ توجهات "الإصلاح" باتت الآن محصورة في التوسع غربا والتموضعاستعدادا للزحف جنوباً مشيرين إلى تناسي الحزب "المعركةالكبرى والوجودية" ضد جماعة الحوثي. وهذا ما كشفت عنه العملية الأخيرة التي أطلقهامحور تعز، وتحرك خلالها على محورين: الأول من جهة الغرب في مناطق مقبنة والكدحة فيالمعافر وجبل حبشي وكلها مناطق تطل على الساحل الغربي. فيما الثاني كان جنوباً وتركزعلى مناطق حيفان في الأحكوم والأعبوس، وكلها تطل على مناطق محافظة لحج الجنوبية. وكانتالعملية تحت غطاء استكمال تحرير المحافظة من "مليشيا الحوثي"، وهو المشروعالعام الذي تلتف حوله القوى المؤيدة لـ "لشرعية اليمنية" في تعز.
ويذهب العديد من الخبراء العسكريين إلى أنالمعركة مع الحوثيين وتحرير تعز من سيطرتهم تأخذ مسارات مختلفة عما ذهب إليهالمحور وحزب الإصلاح، الذين سخروا كلامكانيات وموارد المحافظة بصورة مخالفة للقانون يسودهاالفساد والنهب للمال العام لهذه العملية، والتي وفقاً لهؤلاء الخبراء "لاتخدم سوى مخططات وطموحات الإصلاح في توسيع نفوذه"، وأهدر خلالها الكثير منالمقاتلين والإمكانيات. مؤكدين أنَّه لو كانت العملية ذهبت بمسارين مختلفين: الأولمن جهة شرقي صبر ومديرية دمنة خدير والصلو وصولاً إلى الراهدة جنوب شرق تعز، وقطع خطإمداد الحوثيين إلى حيفان، والثاني: عبر اختراق منطقة الربيعي وصولاً إلى الستين وقطعخطوط الإمداد الحوثية إلى مقبنة التي كانت "ستسقط معه بشكل تلقائي"، ومعالضغط المستمر كانت القوات ستحقق تقدما متسارعا ويمكن أن يلتقي المسارين في نقطة واحدةهي الاتجاه نحو منطقة الحوبان، بيد أنَّ حسابات الإصلاح طبقاً لمحللين كانت تذهب إلىخيارات أخرى لا تعني معركة التحرير في شيء، بقدر ما تعني "مخططاته وأجنداته باتجاهالساحل الغربي والجنوب".
قوى مدنية بهامش ضيق
صادرت الحرب المجال السياسي على كل القوىالسياسية والمدنية، ومع تحرير أجزاء من مركز المحافظة وبعض مديرياتها، بدأتهذه القوى بالتحرك محاولة المساهمة في تطبيع الأوضاع واستعادة مؤسسات الدولة،لكنَّها كما يؤكد قادة ونشطاء مدنيون، اصطدمت بتغولحزب الإصلاح على كل مفاصل مؤسسات الدولة مدنية وعسكرية، و"تهربهمن استحقاقات كثيرة تعزز الشراكة السياسية"، ونالت معه هذه القوى كثيرا من تهمالتخوين لمجرد أنَّها طالبت بإجراء إصلاحات جوهرية فيالجهاز الإداري المدني والعسكري، لجهة تعزيز حضور الدولة والقضاء على الاختلالات ومظاهرالفساد الذي تمارسه قيادات المحافظة مدنية وعسكرية، حد تعبيرهم.
ومؤخراً برزت إلى الساحة تكتلات سياسية تضم القوىالمدنية في مقدمتها الحزبين الاشتراكي والناصري، وتيار من حزب المؤتمر "المناهضلـ "هيمنة الإصلاح" إلى جانب منظمات المجتمع المدني، ونظم هذا التكتل مظاهرةحاشدة تحت اسم حركة"يكفي" ، مطالباً بإحداث تغييرات حقيقيةفي بنية السلطة المحلية والجيش والأمن وتعبئة الموارد نحو استكمال معارك التحرير. وخلقهذا المتغير معادلة جديدة على قاعدة "3 1". لكنَّ هذه القوى لازالت تتحركفي هامش مناورة ضيق، ولا يمكن لها كما يشير محللون أن تتحول إلى لاعب رئيسي في الصراعالجاري على المدى المنظور.