بين اليوم والآخر يتردد الستيني فواز حج حسين إلى المكتب الطبي التابع لمعبر "باب الهوى" الحدودي، والذي يفصل ما بين سوريا وتركيا، في مسعى منه للحصول على موافقة للعلاج داخل المشافي الحكومية، كونه يعاني من "مشاكل صحية خطيرة في القلب".
يقول حج حسين وهو نازح من ريف محافظة حماة السورية لموقع "الحرة": "لم أتمكن حتى الآن من الحصول على موافقة العبور. أعاني من أزمة قلبية وضيق تنفس مزمن، ولا خيار أمامي سوى الانتظار".
وقبل أيام توقف مكتب التنسيق الطبي في "باب الهوى" شمالي إدلب عن إصدار الإحالات المرضية إلى تركيا، لحين تفعيل "نظام صحي" تركي جديد للمرضى السوريين.
ونشر المعبر بيانا قال فيه إن "الجانب التركي ألغى منح الوثيقة القديمة التي كانت عبارة عن وصل بطاقة حماية مؤقتة (كيملك بالتركية)، وبدأ بتقديم وثيقة علاج جديدة سياحية للسوريين، ضمن نظام غير واضح المعالم".
ومن شأن ذلك أن يفاقم معاناة السوريين الذاهبين إلى تركيا للعلاج، وبحسب "باب الهوى" تتلخص الآلية التركية الجديدة "باستبدال إدارة الهجرة ضمن المعبر التركي وصل بطاقة الحماية المؤقتة بوثيقة جديدة أطلق عليها اسم وثيقة سياحية علاجية".
وتختلف ميزات بطاقة الحماية عن "الوثيقة السياحية"، حيث لا تتطلب الأولى أي ترتيبات مالية، بينما تحوّل الثانية المريض إلى "سائح"، الأمر الذي يحول دون تلقيه العلاج بشكل مجاني، أو حتى إجراء عمليات جراحية تتطلب دفع مبالغ باهظة.
وتشير إحصائية حصل عليها موقع "الحرة" من المكتب الإعلامي لـ"باب الهوى" إلى أن المعبر شهد عبور 6 آلاف حالة طبية إلى تركيا، في الفترة الممتدة من بداية العام الحالي وحتى تاريخ اليوم.
ومن بين تلك الحالات حوالي 1350 شخصا مصابا بالسرطان، وهو رقم يضاف إلى 1800 حالة كانت قد دخلت تركيا لتلقي العلاج، العام الماضي.
"الموت يهدد الكثيرين"على الرغم من وجود مشافٍ ونقاط طبية في مناطق الشمال السوري، إلا أن جزءا كبيرا من أصحاب الأمراض المزمنة يفضلون خيار العلاج في المشافي الحكومية التركية، وخاصة مرضى السرطان والقلب.
وخلال السنوات الماضية اتبعت الجهات المسؤولة عن المعابر بين سوريا وتركيا آلية محددة لإدخال المرضى من الطرف السوري إلى تركيا، حيث تنحصر حالات الدخول بالحالات الإسعافية وحالات مرضى السرطان.
بينما لا تشمل الآلية السابقة باقي الحالات التي تتطلب علاجا تعجز المشافي الواقعة في مناطق المعارضة السورية عن التعامل معه.
المريض فواز حج حسين اعتبر أن الآلية الجديدة لمعالجة المرضى السوريين في تركيا "قد تترك مصير الكثير منهم في مواجهة الموت".
ويقول: "جميع المرضى من النازحين الذين لا يستطيعون دفع أي مبالغ مالية لتلقي الدواء أو إجراء عمليات جراحية".
من جانبه، أوضح مدير مكتب التنسيق الطبي في "باب الهوى"، الطبيب بشير إسماعيل أن الجانب التركي أوقف إصدار بطاقة الحماية المؤقتة لصالح المرضى السوريين، منذ أواخر أغسطس الماضي.
ويضيف إسماعيل لموقع "الحرة": "تم استبدالها بوثيقة سياحية علاجية تملك رقما مكونا من خمس خانات فقط، وتحمل بيانات المريض كاملا، إلا أنها صالحة لمدة شهر واحد فقط".
ولا تعترف جميع المشافي التركية في مختلف الولايات على تلك "الوثيقة السياحية"، بحسب الطبيب السوري.
ويتابع: "كما لم يصل للمشافي تعميم حول القرار الجديد، باستثناء مستشفى (الدولة) في ولاية هاتاي، والذي سمح للمرضى بالإقامة لمدة أسبوعين فقط، ريثما يتم تفعيل قرار جديد يعيد إجراءات العلاج كما كانت عليه أو يأتي بنظام جديد".
الجانب التركي أوقف إصدار بطاقة الحماية المؤقتة لصالح المرضى السوريين | مصدر الصورة: MBN"في الانتظار"لا تختلف حالة مريض القلب فواز حج حسين كثيرا عن سمية عايد، والتي تمكنت من الدخول إلى تركيا قبل ثلاثة أسابيع، "لكن بعد طول انتظار بسبب الروتين القاتل الذي يحدد طريقة العبور من الجانب السوري إلى الجانب التركي"، بحسب قولها.
تقيم سمية حاليا في مدينة غازي عنتاب التركية، وتترقب تفاصيل آلية العلاج الجديدة، بعد أن اكتشفت قبل أكثر من شهر إصابتها بسرطان الثدي.
وتضيف في حديثها لموقع "الحرة": "حتى الآن لم أبدأ عملية العلاج. القرار الجديد حرمنا من الحصول على بطاقة الحماية المؤقتة، والتي كانت تتيح للمرضى في السابق الدخول للمشافي الحكومية".
وتتخوف المريضة من تفاقم حالتها شيئا فشيء، ولا ترى في الوقت الحالي أي خيار بديل لها، مشيرةً إلى أن "علاج مرضى السرطان في الداخل دون المأمول. تركيا وجهتنا الوحيدة، وهناك وجهة إلى مناطق سيطرة النظام السوري، لكن هذا الأمر قد يكلفنا حياتنا".
"سلبيات ومخاطر"وكان ناشطون وأطباء في الشمال السوري قد حذروا من الإجراءات التركية الجديدة، عبر "باب الهوى".
واعتبر هؤلاء أنه وفي حال بقاء نظام الوثيقة الجديد مفعّل، فإنّ خيار العلاج على النفقة الشخصية للمريض هو الوارد، في حين أن كثيرا من المرضى لن يكونوا قادرين على تحمّل تلك المصاريف.
مدير المكتب الإعلامي لـ"باب الهوى"، مازن علوش قال لموقع "الحرة" إن "الوثيقة الجديدة" تلزم المرضى بالعودة إلى سوريا، بعد مضي شهر.
ويضيف: "هذا الإجراء لا يناسب العملية العلاجية، كما أنّ الأمر يعتبر مستحيلا بالنسبة للمرضى الذين يتعالجون في ولايات تركية بعيدة، علاوة عن كونه مرهقا ماديا وجسديا للمريض".
في المقابل، اعتبر الطبيب السوري، بشير إسماعيل أن "عدم تفعيل النظام الجديد سيؤثر بشكل كبير على الحالات المرضية التي تحتاج لتلقي العلاج في المشافي التركية، والتي تمثل نسبة 10 بالمئة من الحالات المرضية في شمال غربي سوريا".
وبحسب مدير مكتب التنسيق الطبي للمعبر الحدودي فإن قرابة 450 مريضا موجودون الآن في تركيا، وخاصة في دور الاستشفاء في مدينة الريحانية الحدودية.
كما أن ذات العدد في سوريا ينتظرون تفعيل النظام الجديد للعلاج، أو حتى العودة للعمل بالنظام القديم.
ويوضح إسماعيل: "الحالات الإسعافية والخطرة جدا يتم استقبالها حتى الآن في المشافي التركية، وتمثل الأطفال حديثي الولادة الذي ولدوا بوضع صحي خطر. هذه الشريحة تبلغ نسبتها نحو 50 بالمئة من مجمل الحالات الإسعافية المُحولة إلى تركيا، فيما تتنوع بقيتها ما بين حوادث سير وإصابات حربية وحروق وغيرها".
وتعتبر الأراضي التركية المتنفس الوحيد أمام المرضى السوريين في شمال سوريا وغربها.
وكانت الأشهر الماضية قد شهدت عدة مناشدات لإدخال مرضى تتطلب حالتهم العلاج الفوري، إلا أن البعض منها اصطدم بالشروط المحددة من قبل الحكومة التركية، والمفروضة على جميع المعابر الحدودية، وليس فقط على "باب الهوى".