وملخص القضية أن الهبة الحضرموية الأولى لم تنطلق على خلفية جنائية بل على خلفيات سياسية ترتبط بنوع السياسات الاستعلائية التسلطية والقمعية التي دأبت سلطة 1994م على اتباعها مع أبناء مناطق الجنوب وحضرموت واحدة منها منذ 7/7.
واليوم تتكرر الهبة الحضرمية الثانية، بدوافع تتصل بسياسات النهب والعبث واللصوصية التي تتعرض لها ثروات الجنوب وفي مقدمتها محافظات حضرموت والمهرة وشبوة، فقد وجد أبناء حضرموت أنفسهم أمام وضعية أكثر من مجرد تمييزية إقصائية واستحواذية، بل لقد وجدوا أنفسهم أمام سياسات تقوم على حرمان صاحب الحق من حقه ومنح من لا يستحق ما لا يستحقه، وبكلمات أخرى سلب حقوق أبناء هذه المحافظات ومنحها للغزاة القداما والجدد، وهذه القضية معروفة منذ 1994م لكن الكثير من الوجهاء الاجتماعيين وبعض المواطنين لم يعيروا الأمر الاهتمام الكافي إلا عندما وجدوا أنفسهم واقفين بين سندان الحرمان ومطرقة النهب المزمنة.
لقد سمعت من يقول أن الأسباب الأساسية للهبة الحضرمية الثانية مطلبية أو حقوقية واقتصادية، وهي مقولات إما صادرة عن حسن نية أو عدم الرغبة في التعمق في دراسة الأسباب والتفاصيل، وإما (وهو الغالب) عن التهرب من الاعتراف بالسبب الحقيقي لتراكم عوامل الانفجار الذي أوصل الناس إلى اليقين المطلق أنَّ لا مخرج مع من يتحكمون في مصائر البلاد إلّا (قفل البزبوز)، كما قال ذات يوم أخونا اللواء أحمد سعيد بن بريك عند ما كان محافظا لحضرموت.
لو كان أبناء حضرموت موظفين عند شركات نهب البترول والثروات الحضرمية المختلفة لقبلنا بالتفسير الذي يقول أن الاسباب لهذه الهبة اقتصادية وحقوقية، لكن هؤلاء هم أصحاب الثروة المنهوبة، وهم يتصدون لسياسات النهب والسلب، وليس للمطالبة بزيادة الأجور أو تخفيض ساعات العمل أو تحسين ظروف العمل.
أبناء حضرموت يقاومون السياسات التي جعلتهم يرون ثرواتهم تنهب أمام أعينهم وهم محرومون من الندر اليسير منها، وعندما يطالبون بحقوقهم يتصدى لهم نفر ممن تطوعوا لتحسين صورة اللصوص باتهامهم بالانفصالية والعمالة للخارج وتنفيذ أجندات معادية، وكأنك لا تكون وطنيا إلا إذا تركت أملاكك للصوص يعبثون بها كما يشاءون، أو كأن اللصوص والناهبين هم من يحدد من يستحق لقب الوطنية ومن لا يستحقها، ولا يسرقون إلا من أجل أن يبرهنوا وطنيتهم وعدم عمالتهم وعدم انفصاليتهم.
لن تنال حضرموت ومثلها كل محافظات الجنوب حقوق أبنائها واستعادة ثرواتها وتسخيرها للنهوض وتحسين المستوى المعيشي واستثمارها للتنمية الاقتصادية الاجتماعية إلا في إطار تسوية سياسية تقوم على استعادة الجنوبيين لدولتهم واستعادة الحضارم لثروتهم ، بعيداً عن سياسات الترضيات وبوس اللحى وتقديم الرشوات وشراء الذمم وتوظيف بعض الباحثين عن مكانات فردية ووجاهات شخصية.
وللذين يفهمون الدروس ويستنبطون العبر، نقول لا تحاولوا تقسيم أبناء حضرموت إلى “وحدويين” و”انفصاليين” لأن “الوحدوية” قد صارت في نظر أغلبهم شتيمة لا يقبلون بوصمهم بها، بل أنهم يفضلون تكريمهم بتهمة “الانفصالية” التي يتشرف الكثيرون من الجنوبيين أن تنسب إليهم.
كل التحية والتقدير لأبناء حضرموت الأبطال الذين برهنوا أنهم لن يكونوا إلا جزءً من معركة الجنوب مع الغزاة واللصوص وأساطين النهب والاستحواذ والتستر بالشعارات الجوفاء التي ما أشبعت جائعاً ولا أنصفت مظلوماً ولا أعادت حقاً ولا ردعت ظالماً ولا غالبَ إلا الله