أخبار محلية

مأرب مهد للتاريخ وموطن الثروة ..!!  

مأرب اليوم- محلي 27/07/2022 17:52 324 مشاهدة
مأرب مهد للتاريخ وموطن الثروة ..!!  

المهندس/ حسين بن سعد العبيدي   تعد مأرب مهد الحضارة الإنسانية الأولى وهي من أقدم مراكز الحضارات في العالم ، لا يُعرف بالتحديد متى بدأ تاريخ اليمن القديم، لكنَ بعض نقوش حضارة بلاد ما بين النهرين بالعراق تذكر أنها بدأت منذ زمن بعيد ، فعلى سبيل المثال ذُكرت حضارة سبأ في نص سومري يعود إلى حوالي سنة 2500 قبل الميلاد، أي مُنذو مُنتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد.

عرف اليمنيون قبل غيرهم بما فيهم ساستهم ، واقتصاديهم، وباحثيهم إن مأرب ستظل "سلة الخير والتنمية" ، ونحن لا نقصد هنا النهر النفطي العظيم المتدفق من حقول الذهب الأسود بمأرب، والذي يدعم الدولة اليمنية بثلثي ميزانيتها السنوية فحسب.

مأرب كانت في فترة تأريخية مقرالدولة السبئية، ساهمت في المد الحضاري والتاريخي والسياحي والزراعي والاستثماري الكبير، وطورت مقومات التنمية الشاملة والتي تميزت بها هذه البقعة المباركة في تخوم صحراء الربع الخالي من أرض مملكة سبأ  في اليمن السعيد.

مأرب من محافظات الجمهورية اليمنية الواقعة في الشمال الأوسط ، وهي دائما محافظة الخير والعطاء ، حيث شيد بها أكبر معلم مائي زراعي وسياحي على مستوى الجزيرة العربية والعالم، وهو سد مأرب العظيم، الذي أعيد بناءه في عام 1984 على مقربة من موقع السد السبئي العتيق والذي ذكر في القرآن الكريم ، ولا تزال أثاره باقية وشاهدة حتى ألان على عظمة تلك الحضارة التليدة.   في عام 1982م أكتشف النفط وتم استخراجه من باطن أرض مأرب ، ولأول مره في تاريخ اليمن ، بالإضافة إلى مردودات السياحة والزراعة والآثار ، ليصل خير هذه المحافظة إلى جميع إرجاء الوطن اليمني ، محققًا لليمن النهضة الاقتصادية والعمرانية والمستوى الاجتماعي اللائق.  يعود تاريخ استكشاف الثروات الطبيعية في اليمن ، وإعادة بناء سد مأرب العظيم إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، في عهد حقبة بشير الخير ومؤسس اليمن الحديث إبان ولاية الرئيس السابق علي عبدالله صالح ،الذي نقل اليمن الى مصاف الدول المصدرة للنفط والغاز.

وتحدد المراجع التاريخية والجيولوجية أن منطقة مأرب تتربع على بحيرة مجهولة المساحات والأبعاد، من المواد النفطية والغازية  حيث راهنت القوى الأجنبية والإقليمية المجاورة لليمن ، على عدم وجود احتمال اي مصايد نفطية في صحراء مأرب واليمن بشكل عام ، حيث أفاد السفير البريطاني لدى السعودية بمدينة جدة السيد هيو جونز، في رسالة وجهها الي السيد ر. سي . بلاكمان في مكتب الخارجية في لندن حيث أفاد بالآتي " أما بالنسبة لإمكانية وجود امتياز (للنفط) يكون مربحًا بالقرب من حدود اليمن، فهذا في إعتقادي بعيد الاحتمال فالبلد ميؤوس منها بعيدًا عن منطقة عسير والمرتفعات اليمنية، ولا أعتقد انه يحتوي على النفط. فضلًا عن ذلك، لا أرى أي شركة قد تعمل على مد خط أنابيب عبر اليمن."

مثل اكتشاف النفط في الجمهورية العربية اليمنية سابقًا في الشمال اليمني، وما تلاها في عهد اليمن الموحد وما تم تحقيقه من استكشافات للنفط في شبوة وحضرموت والمهرة ،وفي البحر الأحمر والبحر العربي، كما هو الحال بالنسبة لمعظم الإنجازات العظيمة، بدأ عند أولئك القادة والأشخاص الذين ملكوا الجرأة على الإيمان ،بإن الحلم يمكن ان يصبح حقيقة عند هولاء، الذين تحدوا ما أكده المؤرخون والكتب على انه الحقيقة.

لفترة زمنية كان يسخر "الخبراء" في صناعة النفط من الاعتقاد السائد والرأي لدى بعض  المختصين من أن هناك مصادر نفطية كامنه في الجزء الجنوبي، والغربي من الجزيرة العربية الغنية بالنفط في منطقة السعودية والخليج العربي، كما ادعى هؤلاء الخبراء أن طبيعة الأرض الجيولوجية غير مناسبه، لان الحفر الاستكشافي القليل عبر السنوات الماضية في البحر الأحمر، وحول الساحل المحاذي له جاء ليؤكد على ما يبدوا وجهة النظر تلك.

رفض الشعب اليمني وقيادته الحكيمة في تلك الفترة، هذه الأراء  وآمنوأ ان مشيئة الله سوف تحقق أمال اليمنيين، وستجمع في يوم من الأيام بين آماله في انتاج النفط وأماني أولئك المجازفون لإيجاده.

ففي بدايات عام 1980م ، بداء عهد جديد وهام ،من تاريخ اليمن الحديث والاسطوري بالظهور نتيجة للمسح المغناطيسي في اليمن ، حيث ان ذلك المسح جزء هام من برنامج التنقيب عن المعادن في اليمن، والذي أشار الى إمكانية وجود أخدود (واد مطمور) ضيق نسبيًا لكنه عميق يقع الي شمال مدينة مأرب الأثرية ، كما وضح المسح بإن الحوض الرسوبي ، الذي كان الاعتقاد سائدًا حتى حينها أنه مليء بالرمال، إلى عمق أقل من 2000 قدم هو على الأقل أربعة أضعاف ذلك الحجم.

في عام 1980 ، كان المستشار الفني والذي يعمل في استكشاف النفط ، السيد مجيب الملازي  قد زار اليمن وعمل مقارنة، بين المعلومات الجيولوجية مع المعطيات المغناطيسية الجديدة ،والتي قادته الى الإعتقاد ان هناك مصادر هيدروكربونية كامنه في المنطقة باليمن تفوق ما كان متوقعًا، في الاصل كما ان عمر الصخور ونتوءات القبب المحلية في المنطقة مما أيد توقعاته ونظريته.

ونتيجةً لذلك قام السيد مجيب الملازي بعرض ما توصل اليه من استنتاجات على زميله في المهنه وهو الدكتور إيان ميكوك ، والذي كان في حينه يعمل مديرًا لشركة هنت الامريكية للنفط في لندن ، وعلى الفور اثارت الإمكانيات المتاحة اهتمام الدكتور ميكوك والذي زود مكتب الشركة الرئيسي في دالاس  تكساس بامريكا ، بالمعلومات المتوفرة في اواخر ديسمبر 1980م.

وفي اوائل هذا العام ، قام رئيس شركة هنت السيد رال هنت  بارسال فريق فني لزيارة اليمن الشمالي بالعاصمة صنعاء ، لزيارة المسؤلين فيها  والاطلاع على التضاريس الأرضية، والاجتماع مع الحكومة حول المسح المغناطيسي، وكان من ضمن الفريق نائب رئيس الشركة السيد توم ميورير  ونائب الرئيس للاستكشاف الدكتور ايان ميكوك، والمستشار النفطي المستقل مجيب الملازي، وجاء التقرير الفني إيجابيًا لشركة هنت ، وعلى اثر ذلك تبين لدى شركة هنت اهمية كبيرة لمواصلة البحث ،عن النفط في اليمن بمحافظة مأرب ذات الامكانيات الكبيرة والواعدة بالنفط ، كون اليمن في تلك الفترة كانت تنعم بالأمن الاستراتيجي والاستقرار الاقتصادي وتحتل مكانة سياسية موثوقًا بها.

إلى ذلك استمرت المحادثات التمهيدية بين اليمن وشركة هنت الامريكية للنفط في فبراير 1981م ، عندما زار وفداً من السيد علي جبر علوي ، رئيس هيئة المساحة الجيولوجية دالاس لحضور اجتماع مع البنك الدولي، وشركة هنت وعاد فريق من هناك لزيارة اليمن برئاسة توم ميورير ، والاجتماع مع السيد علي البحر وزير الدولة ورئيس مؤسسة النفط والثروات المعدنية، واستمرت المحادثات بين الفرق الفنية من شركة هنت ووزارة النفط ،وبعد جهود حثيثة بذلها الوفدان في فترة 22 الي 28 يوليو 1981م، والتي قادت الى نجاح المفاوضات وعقد اتفاقية المشاركة في الإنتاج والتي وقعها الوزير على البحر والسيد ريموند إي ، فيرتشايلد ، نائب رئيس الاستكشاف الدولي بشركة هنت للنفط في 3 سبتمبر 1981م، بدأت المسوحات الزلزالية في حوض مأرب/ الجوف وتم تاكيد واستكشاف تراكيب جيولوجية كامنه، في حوض مأرب وبداء استكشاف وحفر اول بئر نفطي بمأرب في صيف عام 1984م .

بالرغم من معرفة اليمن بهذه الثروات والدعم الرباني يكررون الإساة  الى هذه الثروة ، ويقابلون هذه النعمة بالبحث العشوائي، والاستثمار الهمجي البعيد عن التخطيط والتقييم الاستراتيجي ،لهذه الثروة وها نحن في هذا المقال المختصر نقدم خلفية تاريخية ،وموجزه حول بدايات النشاط التاريخي للنفط ، للبحث عن هذه الثروة ، وكيف انتهت الى فقدان هذه الموارد وتقاسمها للمغامرين والفاسدين؟ بينما كان يمكن من خلال التخطيط والتنظيم الاستراتيجي، تحقيق الرخاء وبحبوحة العيش الكريم من هذه الثروات الإستراتيجية اليمنية، وسنضع بعض التوجيهات التي يمكن تنظيمها أو تقديمها للحاق وأنقاذ الثروة من أيدي هؤلاء الفاسدين وتحويلها الى كنز وصندوق ذهبي ثمين.

*رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.   21 يوليو 2022