أخبار محلية

قراءة في المجموعة القصصية (قلوبٌ ضالةٌ) للقاصة فاطمة وهيدي

البعد الرابع 06/11/2022 20:03 150 مشاهدة
قراءة في المجموعة القصصية (قلوبٌ ضالةٌ) للقاصة فاطمة وهيدي

قلوبٌ ضالةٌ، مجموعة قصصية للقاصة فاطمة وهيدي، مكونة من (15 قصة)، وتقع في (141 صفحة) من القطع المتوسط، من إصدارات روافد للنشر والتوزيع 2021م.

وقبل الدخول إلى نصوص المجموعة، وقراءتها، يتعين علينا الوقوف على عتباتها الأولى؛ المتمثلة بالعنوان، ولوحة الغلاف، والإهداء، والتصدير.
أولاً: عتبات المجموعة القصصية.

العنوان (قلوبٌ ضالةٌ):
يتكون عنوان هذه المجموعة من مفردتين؛ (قلوبٌ) جمع قلب: وهو عضو عضلي ينبض في الجانب الأيسر من الصدر، ينظم الحركة الدموية في الجسم، و(ضالةٌ) مؤنث ضال: وهي كلُّ ما ضاع وفُقد من المحسوسات والمعقولات. والمراد من المفردتين في هذه المجموعة ليس معناهما الحسي، بل المعنى المجرد، الذي يوحي بحالة الضياع والانحراف، والخروج عن المسار الطبيعي، كما يوحي بذلك نمط الخط المستخدم في كتابة العنوان. ومن حيث التركيب النحوي؛ نلاحظ أن العنوان يتكون من مبتدأ: (قلوبٌ) وخبر:(ضالةٌ)، ويمكننا التقدير أبضاً فنقول: (هذه قلوبٌ ضالةٌ)، فتصبح (ضالةٌ) هنا صفة للقلوب. وسنلاحظ أن عنوان المجموعة (قلوبٌ ضالة) هو في الأصل عنوان لإحدى القصص الموجودة في المجموعة (صـ117)؛ فالقاصة هنا أسمت الكلّ (المجموعة) باسم الجزء (القصة)، وهذا الأسلوب في تسمية المؤَلف (الكتاب) متعارف عليه في التراث العربي.
لوحة الغلاف:

جاء غلاف المجموعة بدرجة من درجات اللون الأخضر، به صورة لامرأة تلبس سترة حمراء، وعلى رأسها طوق الياسمين، تنزع من وجهها قناعاً مشققاً أشبه ما يكون بتربة طينية تشققت بسبب الجفاف، وسنلاحظ أنَّ المرأة بدأت بنزع الجزئية التي على الفم، وكأنَّ ضلالة القلوب تبدأ من حصاد الألسنة، الخلفية الخضراء، واللون الأحمر أبرز صورة المرأة بشكل كبير، كما أن طوق الياسمين، والسترة الحمراء توحي بالكفاح والنضال، والتطلع إلى الحرية.

الإهداء
أهدت القاصة عملها القصصي إلى روح والدتها المتوفاة، وخلال الإهداء بينت مرحلتين من مراح القصِّ لديها؛ المرحلة الأولى: القصِّ الشفاهي، عندما كانت صغيرة، والمرحلة الثانية: القصُّ الكتابي، وفي هذه المرحلة أفصحت عن طبيعة القصِّ حيث قالت مخاطبة والدتها: "بتُ أروي أوراقي بأحزان كبيرة" صــ5.
ما يشبه التصدير

افتتحت القاصة مجموعتها القصصية بما يمكن أن أسميه تصديراً، حيث كشفت من خلاله عن المراحل التي يصل الإنسان عبرها إلى مرحلة (ضلالة القلب) وعدم الشعور بتأنيب الضمير، وقد دلت على ذلك من خلال الأفعال المضارعة: تعبس-تعبث-لا تعبأ-لا تنصت.

ثانياً: نصوص المجموعة.
تتكون هذه المجموعة من (15 نصاً قصصياً)، ولكلِّ نصٍ عنوان، وهناك من العناوين ما تطابق مع عنوان المجموعة من حيث التركيب النحوي؛ وهي: دموعٌ موقوتةٌ (صـ91)، عشاءٌ أخيرٌ (صــ97)، قلوبٌ ضالةٌ (صـــ117)، وقد ناقشت هذه المجموعة موضوعات عدة، يمكن ملاحظتها من خلال الجانب الموضوعي، وسوف أركز في قراءتي هذه على بُعد واحد، والمتمثل في (ضلالة قلوب الشخصيات) من خلال تتبع انحرافها السلوكي، والفكري، والنفسي.
الجانب الموضوعي:
في هذه المجموعة نماذج مختلفة من الشخصيات الواقعية، المأخوذة من البيئة الاجتماعية، ولكلِّ شخصية قصتها في هذه الحياة، ولكلِّ قلب منها ضلالته، ويمكن ربط موضوعات القصص، مع عنوان المجموعة، حيث نلاحظ في قصة (الصورة قبل الأخيرة صـ9) أن ضلالة قلب (صابر) قد تمثلت في عمله مصوراً فوتوغرافياً في ملهى ليلي، حيث عمل على تصوير المرتادين للنادي مع الراقصة التي كانت تقترب منه وتشير له، على نحو من محاولة إغوائه، والإيقاع به، أما في قصة (الليالي العشر صـــ17)، فإن ضلالة القلوب لشخصيات القصة قد تجلى على نحو واضح في وقوع (حمدية) في علاقة مع ابنها (حسام)، وتكاد تكون هذه من أبشع صور الضلالة والانحراف، حيث دفعها الاحتياج الجسدي إلى تنويم ابنها، ونزع ملابسه، وافتراشه، والدخول معه في علاقة، أما في قصة (اغتيال صـ25) فتكمن الضلالة في الانحراف التي أحدثته القاصة، من خلال النهاية التي صدمت القارئ، حيث سيكِّون القارئ صورة مغايرة عمّا كانت عليه الصورة التي كونها سابقاً، لينصدم في نهاية القصة، بأن (المرأة) التي تخيلها في بداية القصة ليست سوى (حنفية المطبخ، وفي قصة (فردوس صــ29) نجد أن ضلالة الشخصية (فردوس) يكمن في الحالة النفسية التي دخلت بها جراء فقدها لأمها، الأمر الذي دفعها دون إدراك إلى الصعود على حافة النافذة، ليختل توازنها وتسقط، وتلحق بأمها، وفي قصة (شبح الماضي صــ37) نجد أن أستاذ مادة الرياضيات قد ضل عن سواء السبيل، بخروجه عن رسالته السامية، وفطرته الإنسانية بمحاولاته المتكررة التحرش بطالباته الواحدة تلو الأخرى، وفي قصة (صندوق الفرح صـ43) سنجد أن الشخصية (بشرى) تضل في تفسيرها لحالة (وحيد) الطفل الذي يعمل في محل لبيع الورد، والتي حاولت أن تحقق أمنيته، لتتفاجأ بأنّه أصم، وأن أمنيته كانت في الحصول على راديو. أما في قصة (فوضى الروح صـ53) فتكمن الضلالة في حالة الفوضى التي تعيشها شخصية القصة (إيمان) هذا الفوضى التي تسبب بوجود طاقة سلبية في حياتها، وفي قصة (فأر صـ63) نجد أن الضلال يبدأ عندما أقدم (منصور) على توقيع عقد مع (رمزي)، لتتوالى الانحرافات والضلالات، يتبعها الشعور بالأسى، وفي قصة (الهروب صـ71) تكمن الضلالة في الحالة النفسية للزوج، ومحاولته للخروج من روتينه اليومي، واشتراكه مع زوجته في مغامرة لكسر ذلك الروتين، ودخوله في علاقة مع امرأة أخرى، ليدخل في حديث مع زوجته يستوحي من خلاله أنها دخلت في علاقة مع رجل آخر، خلال هذه المغامرة. وفي قصة (بلا قضبان صــ83) نجد أن ضلالة القلب لدى (أمل) تبدأ من خلال ميول مشاعرها لبائع العصافير، الذي يصرح بمشاعره تجاهها، وبخاصة أن زوجها في الغربة، أما في قصة (دموع موقوتة صــ91) فتكمن ضلالة الشخصية(آمال) وانحرافها، في تمكين حبيبها من نفسها، خارج الأطر الشرعية، كما أنَّها ضلت في نيتها بالسيدة التي التقتها في العيادة، وتفسيرها لتصرفاتها. وفي قصة (فرحة ما تمت صــ109) نجد أن ضلالة شخصية القصة (الغول) وانحرافه يكمن في اغتصابه للطفلة (فرحة)، وفي قصة (قلوب ضالة صــ117) يتجلى الضلال في جزئيتين؛ الأولى في تحول المنزل إلى جحيم بسبب تصرفات الزوجة وابنتها، والآخر في الخطأ في تفسير الزوج للأحداث المحيطة به. أما في قصة (كائن يحيا بالموت صــ127) فإنَّ ضلالة القلوب تتجلى بفعل (نور) و(أمه) وما قاما به تجاه (جميلة) من خداع وخيانة.
ونلاحظ أن (المرأة) وقضاياها المختلفة، هي الحاضرة في قصص المجموعة، حيث استطاعت القاصة أن تنقل قضايا المرأة؛ النفسية والوجدانية والاجتماعية، والجسدية، إلى القارئ في قالب قصصي محكم.

الجانب الأسلوبي:
الوصف والحوار:
تعتمد هذه المجموعة القصصية على وصف الأحداث، بصورة جميلة، تنقلنا القاصة من خلاله إلى الأحداث المتتابعة بصورة سلسة غير مخلة، كما تصور لنا من خلاله حركة الشخصيات في إطارها الزماني والمكاني، كما أنّها تعتمد على الحوار، حيث يعتبر الحوار وسيلة من وسائل نقل الأفكار والقناعات، حيث يمكن تحميل حوار شخصيات القصة رسائل القاص ووجهات نظره ومواقفه، وسنلاحظ هنا أن القاصة قد استخدمت مستويين في الحوار بين الشخصيات؛ الأول: اللغة الفصحى كما في قصة (الصورة قبل الأخيرة صــ9)، و(شبح الماضي صــ37)، و(فوضى الروح صــ53) و(دموع موقوتة صــ91)، و(قلوب ضالة صـ117)، حيث جاء الحوار بسيطاً واعتيادياً، كان الغرض منه التواصل بين الشخصيات، وتصوير جزئيات من الأحداث، وفتح الدلالة أمام القارئ كما في قصة (الهروب صـ71)، والإفصاح عن المشاعر الدافئة والحميمية كما في قصة (بلا قبضان صـ83)، ولتصوير الحالة الشعورية في الحوار مع الذات كما في قصة (فرحة ما تمت صــ107). الثاني: اللغة العامية (اللهجة المصرية) كما في قصة (الليالي العشر صــ17)، وقصة (صندوق الفرح صــ43)، وقصة (كائن يحيا بالموت صــ127)؛ حيث كانت وظيفة الحوار التواصل بين الشخصيات، ونقل قناعاتها وأفكارها، وتصوير الأحداث.
التناص:
يتناص عنوان القصة (الليالي العشر صـ17) مع النص الديني/القرآن الكريم، في قوله تعالى: "وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ" [الفجر:2]، وهذا التناص يحيلنا إلى المؤثرات الدينية في الكتابة لدى القاصة، وحضوره في أعمالها.
التراث:
وظفت القاصة المثل العربي الفصيح، والمثل الشعبي (المصري) على لسان الشخصيات خلال الحوار، لتنقل إلينا وجهة نظر الشخصيات، ولتصنع مبرراً للأحداث السابقة واللاحقة، وقد جاءت هذه الأمثال في مكانها المناسب، فنجد في قصة (الليالي العشر صــ17) الأمثال التالية:
- ضل راجل ولا ضل حيطة.
حيث وظفته القاصة على لسان (حمدية)، لتدلل من خلاله على أهمية بقاء (زكية) تحت زوجها، والحفاظ عليه (صـ19).
- جوزك على ما تعوديه.
وظفته القاصة على لسان (حمدية)، لتدلل من خلاله على أن الزوج على ما تعود عليه من زوجته، وأن الزوجة بإمكانها وضع نظام معين في علاقتها مع زوجها (صــ19).
- نوم الظالم عبادة.
مثل عربي؛ وظفته القاصة على لسان (زكية)، لتدلل من خلاله على ما وصلت إليه علاقة (زكية) بزوجها (السيد).
- من حكم في ماله ما ظلم.
وظفته القاصة على لسان (حمدية)، لتبرر من خلاله سطوة وقسوة (السيد) مع زوجته (زكية) حسب ما تشتكي منه (زكية) (صــ21).
ختاماً؛ أجد هذه المجموعة القصصية الواقعية متميزة، نُقلت إلى القارئ بحرفية، وبلغة سهلة وجميلة، استطاعت القاصة أن تلامس من خلالها مشاعر القارئ، فتارة يتعاطف مع الشخصيات، وتارة أخرى ينقم عليها. كما استطاعت تصوير المجتمع دون مواربة أو تحيز، وكشفت من خلال هذه النصوص مجمل العلاقات الاجتماعية، ونمط الحياة التي تعيشها الشخصيات.