تُعدُّ الحياة في غزة للذين أسعفهم الحظ في النجاة من الحرب حتى الآن، لا تحتمل، لا طعام ولا مياه إلا ما ندر ومخاطر صحية محدقة.. هذا هو الحال بالنسبة للفلسطينيين القاطنين في القطاع، الذي وقع في دائرة الارهاب الامريكي وذراعها في المنطقة اسرائيل.
وبعد أكثر من شهر للعدوان الاسرائيلي الامريكي الغاشم على قطاع غزة، سجلت أرقام قياسية من انتهاكات حقوق الانسان التي باتت في عداد المفقودين هي الاخرى نتيجة الارهاب الامريكي – الاسرائيلي الذي خلف اكثر من 11 الف وخمسمائة قتيل معظمهم من الاطفال والنساء، وخلف دمار كامل في أكثر من 200,000 وحدة سكنية في غزة، أي ما يعادل حوالي نصف الوحدات السكنية في القطاع، وفقًا للسلطات الفلسطينية في غزة.
حرب غزة بالأرقام
ذكر الجهاز المركزي للإحصاء بفلسطين ، في آخر تقرير نشره على موقعه بتاريخ 13 نوفمبر 2023، احصائيات وارقام حول الخسائر التي خلفها الارهاب الامريكي – الاسرائيلي المستمر منذ 7 اكتوبر الماضي.
واشار التقرير إلى ان عدد القتلى ارتفع إلى 11427 شخصا، و 31560 جريح، ومليون نصف نازح، و 2520 حالات الاعتقال، 222120 وحدة سكنية مدمرة ومتضررة، بشكل عام.
وتناول المركز بتقرير آخر الخسائر التي تعرضت له المنشآت التعليمية والملتحقين بها من طلاب ومعلمين وإداريين.
وذكر المركز بأن عدد الشهداء من الطلبة الملتحقين في المدارس في فلسطين بلغ 3,141 شهيداً وشهيدة، بواقع 3,117 شهيداً وشهيدة في قطاع غزة و24 شهيداً وشهيدة في الضفة الغربية. فيما بلغ عدد الجرحى من الطلبة الملتحقين في المدارس في فلسطين 4,863 جريح وجريحة، بواقع 4,613 جريح وجريحة في قطاع غزة و250 جريح وجريحة في الضفة الغربية. وبخصوص المعتقلون من الطلبة الملتحقين في المدارس فقد تم اعتقال 67 طالباً جميعهم من الضفة الغربية.
وبلغ عدد الشهداء من المعلمين والإداريين في المدارس في فلسطين 130 شهيداً وشهيدة، جميعهم استشهدوا خلال الغارات على قطاع غزة، فيما بلغ عدد الجرحى من المعلمين والإداريين في المدارس في فلسطين 403 جريح وجريحة وذلك خلال الغارات على قطاع غزة. فيما تم اعتقال ما يزيد عن 40 فرد ممن هم معلمين وإداريين في مدارس الضفة الغربية.
سياسة
أما بخصوص الاعتداءات على البنية التحتية للمدارس، فقد تم الاعتداء على 239 مدرسة حكومية في قطاع غزة من خلال قصفها بالغارات الجوية، منها 45 مدرسة دمرت تدميراً بالغاً، كما تم الاعتداء على 50 مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وكذلك لم تسلم مدارس الضفة الغربية من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي حيث تم الاعتداء على 27 مدرسة حكومية في الضفة الغربية.
وكرد فعل طبيعي للقصف المستمر بالغارات العنيفة على قطاع غزة وحصيلة الشهداء من الطلبة والمعلمين وتدمير البنية التحتية لعدد لا بأس به من المدارس فقد تم تعطيل جميع المدارس في قطاع غزة منذ بدء العدوان وحرمان حوالي 608 آلاف طالب وطالبة من حقهم بالتعليم المدرسي. كما تم استخدام 70 مبنى مدرسي حكومي كمدارس إيواء للنازحين و145 مبنى مدرسي تابع لوكالة الغوث كمركز ايواء للنازحين في قطاع غزة.
أما بالنسبة لمدارس الضفة الغربية فلم يكن الدوام طبيعياً كالمعتاد بسبب الإضرابات المتكررة والاقتحامات لعدد من التجمعات السكانية مما أعاق وصول حوالي 1,750 معلماً ومعلمة من الوصول لمدارسهم يومياً، حيث لم يتجاوز التعليم الوجاهي 90%.
وبلغ عدد الشهداء منذ بدء العدوان حتى تاريخ 5 نوفمبر 2023، من الطلبة الملتحقين في مؤسسات التعليم العالي في فلسطين 446 طالب وطالبة، بواقع 438 طالب وطالبة في قطاع غزة و8 طلاب في الضفة الغربية، في حين ارتقى 14 عامل وعاملة ممن يعملون في مؤسسات التعليم العالي في قطاع غزة نتيجة الغارات الجوية المستمرة. كما بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي في فلسطين التي تضررت جزئياً أو بالكامل منذ بدء العدوان 14 مؤسسة، منها 12 مؤسسة في قطاع غزة ومؤسستين في الضفة الغربية، مما أدى إلى انقطاع تام عن التعليم الجامعي في قطاع غزة وكذلك انقطاع التعليم الوجاهي والتحويل إلى التعليم عن بعد في بعض مؤسسات التعليم العالي في الضفة الغربية.
انتهاك القانون الدولي
ووفقًا لإحصائيات فلسطينية رسمية فقد خرج 16 من أصل 35 مستشفى (46%) و51 من أصل 76 مركزًا طبيًا في القطاع عن الخدمة نتيجة القصف أو نقص الوقود .
كما تضررت حوالي 50 سيارة إسعاف، خرجت 31 منها عن الخدمة وقُتل ما لا يقل عن 175 من العاملين في القطاع الصحي، وفقًا للوزارة.
ووفقًا للقانون الدولي الخاص بالحروب والنزاعات، يتحتم على أطراف الصراع ضمان حماية العاملين في مجال الإغاثة والصحة ومرافِقهم.
من جانبها وثقت الأمم المتحدة قتل ما لا يقل عن 88 من العاملين في وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا، و18 من عمال الدفاع المدني.
أما بالنسبة للصحفيين، الذين يجب حماية سلامتهم وعملهم بموجب اتفاقية جنيف لعام 1949، فقد قُتل منهم 46 صحفيًا حتى تاريخ 5 نوفمبر ، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
وتقول لجنة حماية الصحفيين، إن عدد الصحفيين الذين قتلوا في حرب إسرائيل-غزة هذا الشهر هو الأكبر في الثلاثين عامًا الأخيرة.
شلل في غالبية المنشآت
وتشير التقارير الاحصائية الواردة من قطاع غزة بفلسطين المحتلة، إلى أن الارهاب الامريكي – الاسرائيلي تسبب في توقف ثلث منشآت القطاع الخاص عن الإنتاج نتيجة توقف شبه تام في عجلة الإنتاج لحوالي 56 ألف منشأة في قطاع غزة، حيث تشكل التجارة الداخلية أكثر من نصف المنشآت في قطاع غزة.
كما تسبب في انقطاع مصادر دخل غالبية العمالة في قطاع غزة، والتي تقدر بأكثر من 147 ألف عامل، باستثناء العاملين في قطاعات الصحة والاغاثة الانسانية، فيما توقف ما يقارب 85% من إجمالي العاملين في قطاع غزة عن العمل.
ووفقا لتقارير جهاز الاحصاء، فإن خسائر العدوان على غزة خلال شهر اكتوبر بلغت أكثر من 713 مليون دولار أمريكي، بما يعادل حوالي 24 مليون دولار أمريكي يومياً، باستثناء الخسائر المباشرة في الممتلكات والأصول والتي تجاوزت المليارين ونصف المليار دولار أمريكي في قطاع غزة حسب التقارير الأولية الصادرة عن قطاع غزة.
الحرمان من المياه
وفي هذا الصدد قالت منظمة الصحة العالمية إن العائلات والأطفال في غزة يعتمدون على ثلاثة لترات من الماء لكل شخص في اليوم للشرب والطهي والنظافة. بينما الحد الأدنى المطلوب - الذي يوصف بعتبة الطوارئ - هو 15 لترًا لكل شخص في اليوم.
ومؤخرا دخلت كميات قليلة جدًا من إمدادات المياه إلى غزة عبر معبر رفح مؤخرًا لكنها ليست كافية بالمرة. بينما تطال أضرار إضافية البنية التحتية لإمدادات المياه الصالحة للشرب.
في 5 نوفمبر الجاري، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن استهلاك المياه في غزة قد انخفض بمعدل 92٪ مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وإن معظم محطات ضخ الصرف الصحي الـ 65 لم تعد تعمل.
وكانت منظمة الصحة العالمية حذرت في 31 أكتوبر، من أن النزوح الجماعي والاكتظاظ والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي قد تسبب "كارثة صحية شاملة ووشيكة" في غزة.
إرهاب غير مسبوق
ووفقا للتقارير فإن العدوان الحالي على غزة ليس كسابقه نتيجة المشاركة الامريكية المباشرة فيه، ولما يشمله من تدمير ممنهج لكل وسائل الحياة بجميع قطاعاتها، مما أدى إلى شلل في حركة الاقتصاد في كامل القطاع وخصوصاً بعد تدمير العديد من المنشآت الاقتصادية والتي لا يمكن حصرها حتى اللحظة بسبب القصف العنيف المتواصل على قطاع غزة.
ومن المؤكد بأن هناك تدميرًا كاملًا للحياة الاقتصادية لجميع القطاعات في قطاع غزة حيث يعمل قطاع غزة بطاقة انتاجية تقدر بحوالي 16% خلال شهر اكتوبر 2023 علماً أن هذه النسبة تشكلت من القطاعات الحيوية والتي لم تتوقف بشكل تام خلال الحرب وتتمثل في القطاع الصحي والمخابز وجزء من قطاع التجارة الداخلية لسد احتياجات الناس من الغذاء والدواء.
هذا الأثر لم يقتصر على قطاع غزة وإنما انعكس على الضفة الغربية أيضاً وان كان بشكل أقل، فقد كان لأثر العدوان على غزة وما تبعه من تداعيات في الضفة الغربية والتي تمثلت في تشديد الخناق على محافظات الضفة وتقطيع التواصل بين المحافظات وعرقلة وصول البضائع من الخارج ومنع وصول الفلسطينيين من مناطق 48 إلى مدن الضفة ومنع وصول العمال للعمل في الداخل المحتل.
تشكيك أمريكي
وكما هو متوقع من المشارك في تلك الجرائم الارهابية التي طالت ابناء فلسطين في قطاع غزة، شكك بعض السياسيين، مثل الرئيس الأمريكي جو بايدن، في دقة الأرقام التي تقدمها الجهات الفلسطينية، او تلك المقدمة من المؤسسات الدولية المعنية، والتي تؤكد بمقتل طفل فلسطيني كل 10 دقائق.
ضبط ايقاع
من جانبها واصلت الجهات الاستخباراتية الامريكية على راسها وكالة المخابرات المركزية CIA، البحث في قطر ومصر عن وساطة دبلوماسية لإطلاق سراح الاسرى الذين تم اسرهم خلال عملية "طوفان الاقصى" في السابع من اكتوبر الماضي، دون النظر إلى ما تسببه ارهابهم من خسائر بشرية ومادية بحق الفلسطينيين.
تلك هي الرؤية الامريكية الغربية المعززة بكيانهم الارهابي في الشرق الاوسط "اسرائيل"، لمجمل القانون التي تحمي حقوق الانسان في العيش والحياة بسلام.
ووفقا لما ذكرته مصادر امريكية فإن حراك الولايات المتحدة بشأن الاسرى يأتي لضبط ايقاع الحرب والتوترات المرافقة لها في المنطقة حتى لا تخرج عن نطاق السيطرة.
إهدار حقوق وانتهاك حياة
ووفقا لحقوقيين دوليين، فإن الحرب التي تشنها القوات الاسرائيلية والامريكية على غزة، كشفت عن حالة غير مسبوقة فيما يتعلّق بوضع حقوق الإنسان، لا تسعفها العبارات القانونية التقليدية مثل "المساس" أو "الانتهاك" في وصفها، باعتبار ان الحال في غزة قد وصل درجة الإهدار الكامل للحقوق الإنسانية.
كل تلك الانتهاكات الارهابية تجري بينما تقف المنظومة الدولية بهياكلها وأجهزتها القضائية عاجزةً عن ردع هذه الجرائم وملاحقة مُرتكبيها، فإن التساؤل يُطرح في كل مرة تتكرر فيها هذه الجرائم حول ما إذا كانت السياسة الجنائية الدولية في ملاحقة مجرمي الحرب تقوم فعلا على أسسٍ أخلاقية مجرّدة لا تميّز بين جنس الضّحايا والجناة ولا دينهم أو عرقهم، أم أنها ليست في الواقع سوى إحدى تجليّات منطق القوة الذي فرضته القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وتسعى لتوظيفها بشكل انتقائي كوسيلة ضغط وهيمنة في علاقاتها مع بقيّة الدّول.
إحباط القانون
كما لا يسع أي محلل قانوني وحقوقي، إلا أن يُصاب بالإحباط من حالة الانتهاك الجسيم لمبادئ القانون الدولي الإنساني في غزة أمام صمت المجتمع الدولي وعجز مؤسّساته عن ردع جرائم الارهاب الامريكي - الإسرائيلي.
إنه الإحباط الذي دفع مدير مكتب مفوض حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى الاستقالة من منصبه في سابقة كشفت زيف الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان، وعرّت منظومته القانونية التي تُصاب بالعمى هنا وتُبصر هناك.
انتهاك الاتفاقيات الأربع
لم يترك الإحتلال الإسرائيلي جريمة واحدة من الجرائم التي نصّ عليها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدّولية، ولا تلك التي نصّت عليها اتفاقيات جنيف الأربع، ولا أية جريمة أخرى نص عليها ميثاقٌ أو عرفٌ دولي قديم أو حديث، إلا وارتكبها. فقد مارس جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضدّ الإنسانية، وجرائم الحرب، والتهجير القسري، واستهدف المستشفيات والمرافق الصّحية ودور العبادة، وقطع إمدادات الماء والكهرباء، وقصف المناطق التي أعلن هو نفسه بأنها "آمنة"، ناهيك عن استهداف الصحافيين وطواقم الإسعاف وشاحنات الإغاثة.
وفي مواجهة هذه الجرائم، تقف كل منظومة المجتمع الدولي التي يزعم بأنه أسّسها على احترامِ حقوق الإنسان عاجزةً أمام حرب إبادة جماعيةٍ يصفها الكيان المحتل وداعموه من الدّول الغربية بأنها "حربٌ عادلة"، و"دفاعٌ مشروع عن النفس"، ومع كل ضربة يوجهها جيش الاحتلال لقطاع غزة، تسقط قيم ومبادئ القانون الدولي الإنساني، ولن ينهي الاحتلال حربه الشعواء على غزة إلا وستكون المنظومة الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان قد فقدت كل مصداقيتها وصارت بلا معنى.
لا اعتراف بالصفة الانسانية
إن وصف ما يحدث لحقوق الإنسان في غزة بأنه إهدارٌ للحقوق، وليس مجرّد مساسٍ بها أو انتهاك لها، إنما تبررّه حالة الاعتداء المُتعمّد والممنهج والجسيم الذي يستهدف الحقوق الأساسية لعدد كبير من المدنيين. إنه إعلانٌ صريح عن طريق القوة بأن الكيان الإسرائيلي لا يعترف بالصّفة الإنسانية للفلسطينيين، وبأنهم بالنتيجة مُجرّدون من أيّة حقوق تُمنح لهم بوصفهم بشرا. ولذلك، فإن جيش الاحتلال لا يهدر حقّ الإنسان من خلال الاستهداف المباشر بالقصف العشوائي والعنيف الذي يشكّل إبادةً جماعية فحسب، بل إنه يستهدف أيضا ما يمكن أن يقوم عليه الحق في الحياة للناجين، فهو يمنع عنهم مقومات الحياة الأساسية، كالغذاء، والماء، والرعاية الصحية عبر قصف المستشفيات وسيارات الإسعاف التي تقلّ الجرحى، وكل ما من شأنه أن يساعد في حفظ الأرواح أو إنقاذها وإسعافها.
إن الحرب التي يفوق عدد ضحاياها من المدنيين 11 آلاف قتيل بينهم ما يقارب 4200 طفل لا يمكن أن تكون حرباً عادلة، كما أن الحرب التي ينجم عنها تهجير قسري لأكثر من مليون إنسان من مساكنهم في شمال قطاع غزة إلى مناطق غير آمنة لا يمكن أن تكون دفاعاً مشروعاً عن النفس، ولا يمكن وصف هذه الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان سوى أنها جرائم حرب وفقاً لما ينص عليه نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدّولية.
معايير انتقائية
هكذا، تؤكّد الحرب على غزة مرة أخرى جدية أطروحة القائلين إن منظومة حقوق الإنسان كما يتبناها الغرب لا تقوم على أيّ أساس أخلاقي مجرد، وإنما على أساس معايير انتقائية وتمييزية مزدوجة، وهذا ما يجعل من مطالبات الدّول الغربية باحترام حقوق الإنسان ورقة ضغط ومساومة ضدّ الأنظمة المعادية لها. وتدعم هذا الرأي سرعة استجابة هذه المنظومة لما يُعتقَد أنها جرائم حرب ارتكبتها روسيا في حربها على أوكرانيا وتخاذلها أمام الجرائم المروعة التي يرتكبها الاحتلال في غزة.
تلك المعايير كانت اشارت اليها الرئاسة المصرية في بيانها الذي اصدرته عقب عقد قمة السلام في القاهرة في 21 اكتوبر الماضي، حيث قالت:" ان الحرب الجارية في قطاع غزة كشفت عن خلل في قيم المجتمع الدولي في التعامل مع الأزمات، فبينما نري هرولة وتنافس علي سرعة إدانة قتل الأبرياء في مكان، نجد تردداً غير مفهوم في إدانة نفس الفعل في مكان آخر، بل نجد محاولات لتبرير هذا القتل، كما لو كانت حياة الإنسان الفلسطيني أقل أهمية من حياة باقي البشر".
نظام روما ومادته الخامسة
أن نظام روما الأساسي المتعلّق بالمحكمة الجنائية الدولية، ينطلق من التأكيد على أن الدّول الأطراف تضع في الاعتبار بأن "ملايين الأطفال والنّساء والرجال قد وقعوا خلال القرن الحالي ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزّت ضمير الإنسانية بقوة"، ولذلك تُعرب هذه الدّول عن عزمها على "وضعِ حدّ لإفلات مُرتكبي هذه الجرائم من العقاب، وعلى الإسهام بالتالي في منع هذه الجرائم"، وهكذا يتولّد الانطباع بأن هذه العبارات تنطبق تماماً على وضع الحرب في غزة حالياً، ويتأكّد هذا الانطباع عندما نستعرض نص المادة الخامسة من النظام الأساسي التي تحدّد الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وهي: جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان.
جثامين تتكدس خارج الثلاجات.. وسكان غزة يبحثون عن أحبائهم
وفيما يتعلّق بجرائم الحرب تحديدا، فإن المادة الثامنة في فقرتها (أ) نصّت على أن من بين هذه الجرائم: تعمّد توجيه هجمات ضدّ السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرةً في الأعمال الحربية، وتعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية، أي تلك المواقع التي لا تشكّل أهدافاً عسكرية، وكذلك تعمد شنّ هجماتٍ ضد موظفين مُستخدمَين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدَمة في مهمّة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السّلام. وأيضاً تعمّد شن هجومٍ مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو إحداث ضررٍ واسع النّطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة. والأهم من ذلك كلّه، أن هذه المادة اعتبرت بأن من جرائم الحرب تعمّد مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني العزلاء التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت.
وهنا يمكن القول بأن رجل القانون لن يأخذ إذاً وقتا طويلا في الاستنتاج بأن الجرائم المنصوص عليها في النّصوص السّابقة تنطبق بدقة على ما يقوم به جيش الاحتلال في غزة، كما أن تقديم أدلة على هذه الجرائم لا يحتاج إلى تحقيقٍ مطول ولا إلى جمع أدلة، فالجرائم موثقة بالصورة وتُرتكَب يومياً منذ أزيد من شهر، وقد زار المدعي العام للمحكمة الجنائية معبر رفح وعبّر عن "فزعه" من رؤية "جثث الأطفال والصّغار وهي مملوءة بالتراب"، لكن جثث الأطفال التي فاق عددها 4 آلاف لم تكن كافية بالنسبة له ليفتح تحقيقاً في جرائم الاحتلال التي يشاهدها العالم على الهواء مباشرةً، بينما شرع على الفور وبعد مرور 4 أيامٍ فقط على نشوب الحرب في أوكرانيا في فتح تحقيق حول جرائم حرب مُحتملة ارتكبتها روسيا.
ختاماً، يمكن القول إن المنظومة الدولية المتعلّقة بحقوق الإنسان صُمّمت بطريقة تجعلها مجرّد مبادئ معلّقة في الهواء، ولن يستطيع سوى الأقوى الوصول إليها وتطبيقها على أرض الواقع. إن جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة تعيد طرح ذلك التساؤل الفلسفي التقليدي حول ما إذا كانت مبادئ القانون الدولي تعبّر عن قانون القوة أم عن قوة القانون، وأيا كانت الإجابة، فإنه لا يمكن التعويل على المؤسّسات الدولية الرسمية ولا على آليات العدالة الجنائية الدولية في ردع جرائم الكيان المحتل المتكررة. لكن، قد يشكّل الرأي العام العالمي الذي خرج في مظاهرات حاشدة في كبرى العواصم الغربية مستنكرا هذه الجرائم، عنصر القوة المفقود الذي بإمكانه أن يفرض تطبيق مبادئ القانون الإنساني في الحرب على غزة بنفس الدرجة والفعالية التي طُبّقت فيها على الحرب في أوكرانيا.