منذ الألفية الأولى قبل الميلاد حتى اليوم، يعمل آلاف اليمنيين في تربية النحل وإنتاج العسل، معتمدين على نظام تقليدي يختلف عن غالبية منتجي العسل حول العالم، ويتنقلون بين المناطق والمدن بهدف ترحيل طوائف النحل بين الوديان والجبال والسهول، بحثاً عن مراعٍ مناسبة لاستخراج "الذهب السائل" وزيادة نسبة تكاثر الخلايا ومضاعفة أعداد النحل. مهنة شاقة تتطلب الكثير من الخبرة والصبر.
خلال العقد الماضي، واجهت هذه المهنة تأثيرات ناجمة عن تغير المناخ، من تذبذب الأمطار وارتفاع درجة الحرارة، إلى جانب زيادة الأنشطة البشرية، وتداعيات الحرب. جميعها عوامل أدت إلى تقليص المساحات الخضراء، وفرضت تحديات قاسية على مربي النحل.
في السنوات التي سبقت حرب 2015، كان النحال محمد غالب (37 عاماً)، يتنقل بين محافظتي إب وتعز، وعادة ما يصل تهامة، إحدى مديريات محافظة الحديدة الساحلية، يبحث عن المراعي، ويأخذ صناديق نحله في جولات مختلفة، ومغامرات ترتبط بتقلبات الجو.
اما اليوم فقد بات هذا الرجل مسلوب الحرية، بسبب انتشار نقاط التفتيش الأمنية التي تعطل حركة النحالين من مرعى إلى آخر. يشكو محمد لرصيف22: "عندما يكون النحل أقل نشاطاً، نحتاج لنقله إلى مناطق تتوفر فيها النباتات والزهور التي تشكل مصدر تغذية له. في فترة الحرب نواجه صعوبة في المرور عبر نقاط التفتيش، وكذلك مشقة الطرقات وتكاليف النقل".
ويضيف أن هذه التعقيدات منعت عشرات النحالين اليمنيين من الوصول إلى مناطق واسعة تصلح كمراعٍ نحلية، الأمر الذي اضطره البقاء في منطقة الضباب، ريف تعز الغربي، مؤكداً أن تقييد الوصول كبَّده خسائر كبيرة.
وبسبب تحييد العديد من المناطق عن الرعي بفعل اشتباكات أطراف الصراع من جهة، وزراعة الحوثيين الألغام العشوائية من جهة أخرى، بقي هذا النحال في نفس المنطقة منذ سنوات، رغم تراجع مستوى النحل، وقلة إنتاجه السنوي للعسل.
يوضح الرجل أن الانتقال إلى الحديدة قد يكلفه موت النحل، لطول ومشقة الطريق، ومع انتشار الألغام تصبح حياته محاطة بالمخاطر والموت، فالذخائر غير المنفجرة باتت تهدد حياة اليمنيين، خاصة مربي النحل ورعاة المواشي والأغنام، وتشير المعلومات إلى أن أكثر من مليوني لغم أرضي وعبوة ناسفة تنتشر في مختلف المدن اليمنية، وهذا ما يفسر تخلي المئات عن مهنة النحالة وصناعة العسل.
•صعوبات
لا يزال منير الفتاحي (40 عاماً)، يمارس هوايته في تربية النحل بشغف وحب، بعدما ورث هذه المهنة من والده، وتربى منذ طفولته وهو يلازم خلايا النحل، ويقدم لها المياه، وباستمرار يتفحص الصناديق محاولاً حمايتها من مهاجمة حشرات الدبور وغيره، مؤكدًاً أن الاهتمام يساعد على تكاثر الخلايا، وبالعكس تنقرض حالما تشعر بتخلي النحال عنها.
يملك منير 60 صندوقاً، في كل صندوق 8 خلايا نحل، وينتج العسل سنوياً، إلا أن إنتاجه تراجع نسبياً بفعل عوامل بيئية وتغيرات مناخية، بالإضافة إلى تدهور العملة، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ووعورة الطرق وبُعد المسافات، لافتاً أن هذه المعوقات تؤثر على النحال، وتزيد من خطر تهديد ثروته بالانقراض.
المراعي في صنعاء بحسب الفتاحي، تتأثر بالجفاف وتقلبات الطقس، فتقل الزهور والثمار في الأشجار الحديثة، فيما تواصل الأشجار المعمرة الإثمار، وهذا يزيد من أهمية تواجدها كمراعٍ نحلية، لكن تنامي ظاهرة التحطيب بات تشعر النحالين بالقلق.
وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه النحال اليمني، فإن الأخير يتصف بالكفاح والمكابرة، ويسعى للحفاظ على مصدر رزقه، وإن كلفه الكثير من الجهد والتعب، ويضيف الفتاحي بأن "مهنة الأجداد" تتعرض للاندثار وسط ظروف الحرب، وما تعيشه البلاد من أزمات وكوارث قد تؤدي إلى انقراض هذه الثروة.
وتشير دراسة خاصة بمركز صنعاء للدراسات إلى أن النحالة اليمنيين يواجهون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي ضغوطاً إضافية، نتيجة مطالبتهم بدفع زكاة على النحل والعسل. وأوضحت الدراسة أن القانون اليمني لسنة 1999، حدد نسبة الزكاة المستحقة وفقاً لعدد كيلوغرامات العسل التي ينتجها النحالون سنوياً، لكن مؤخراً تُجبى الزكاة وفق كمية طوائف النحل التي يمتلكونها، وهذه إشكالية حقيقية نظراً لأن طوائف النحل قد تنتج في بعض السنوات كمية قليلة من العسل، وقد لا تنتج على الإطلاق.
وسط تقلبات جوية شديدة سببها تغير المناخ، يبحث نحالون يمنيون عن ظروف مثلى للنباتات والزهور على مدار العام، وبالتالي إنتاج كميات جيدة من العسل. علي مبارك (55 عاماً)، أحد وجهاء قبيلة القيسي بجزيرة سقطرى يعمل في تربية النحل، ويمتلك 30 صندوقاً، ويسعى لتجهيز مزرعة وتوسيع مشروعه الخاص بتنمية ومضاعفة أعداد النحل، وصناعة العسل.
يقول القيسي إن النحل في سقطرى يستقر ويتكاثر بشكل كبير خلال الشتاء والصيف، مستثنياً بعض المناطق والأماكن التي تعاني من تغيرات وتقلبات في درجات الحرارة والبرودة.
ويضيف أن النحل يتأثر برياح الكوس الموسمية الصيفية، وخلالها يلجأ النحالون السقطريون لنقل صناديق النحل إلى أماكن آمنة، ليتمكن من الخروج إلى المراعي والعودة بسلام.