لم تعرف اليمن إرهاباً سياسياً على مدى تاريخها القديم والمعاصر، كالذي شهده مسجد دار الرئاسة يوم الجمعة 3 يونيو 2011 حريمة بكل المقايس وإرهاب لا يحترم منفذيه بيت الله بينما كان الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح وعدد من كبار قيادات الدولة يؤدون صلاة الجمعة، دوى انفجار هزّ أركان المكان وأدمى قلوب اليمنيين فاحعة يتذكرها الجميع حين ارادت قوى الظلام استُهدف الزعيم بمحاولة اغتيال داخل بيت الله، لم يكن المستهدف شخصه وحده. كان الهدف هو اليمن كلّه، ومشروعه في الحرية والتداول السلمي للسلطة. استهداف مصلين وهم سجود جريمة بكل المقاييس، تجاوزت الخلاف السياسي إلى استباحة الحرمات.
أثبتت الوقائع المتلاحقة أن حادثة دار الرئاسة لم تكن حادثاً عابراً ،كانت إعلاناً مبكراً عن نية قوى سياسية وعسكرية للانقضاض على الدولة ومؤسساتها، والقفز على كرسي الرئاسة بمنطق القوة والمليشيا بدلاً من منطق الدستور وصندوق الاقتراع النهج الديمقراطي الذي أرسى مداميكه الزعيم علي عبد الله صالح على مدى فترة حكمه الرشيد.
ومنذ ذلك اليوم دخلت البلاد نفقاً موحشا مليئ بالصراعات التي قادت الى انهيار هيبة الدولة، وتفككت مؤسساتها، ونهب مواردها وخرجت الجماعات المسلحة من الظل إلى الواجهة للقضاء على الدولة والنظام الجمهوري حينما اجتاحت جماعة الحوثي العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، معلنة عملياً وفاة مرحلة الانتقال السلمي للسلطة التي نصت عليها المبادرة الخليجية والشوروع بدولة إمامية على طريقة نظام المرشد وملالي إيران.
بدأت ملامح المؤامرة على الدولة تتضح أكثر مع سقوط العاصمة. حينها التزمت أحزاب "اللقاء المشترك" الصمت، وفضلت عدم المواجهة، واكتفت بالفرجة على سقوط المحافظات واحدة تلو الأخرى ليأتي الدور عليهم وهو مالم يحسبوا له حساب سمع صراخهم في وقت لا ينفع فيه الندم وعض النواجد.
وقدّر بعض قيادات حزب الإصلاح آنذاك أن بمقدورهم مقاسمة السلطة مع "شريك الساحات" والوصول إلى القصر الجمهوري. حسابات بنيت على وهم التحالف المرحلي ،لكن الواقع جاء صادماً، خرج الحزب "بخفي حنين" وخسر مواقعه ونفوذه خلال أيام، ولم يجد قياداته طريقاً للخلاص سوى مغادرة البلاد، بينما ظل من بقي من كوادره يتحس رأسه بين مطرقة الحوثي وسندان الحرب.
وهنا نقول إن حزب الإصلاح لم يستفد من تجربته الخاسرة مع تحالف 2011، وعاد ليكرر ذات الخطأ في التعامل مع جماعة الحوثي بقيادة عبدالملك الحوثي. فالتجربة أثبتت أن الرهان على القوة المسلحة لا يبني دولة ولا يضمن شراكة بعد أعتقادنا أن العلاقة التي ربطت حزب الإصلاح بجماعة الحوثي خلال مرحلة الإنقلاب انتهت، لكن الأحداث أثبتت أنها ظلت تسير على ذات المسار وبعد أن سلّم الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح السلطة إلى نائبه وفق المبادرة الخليجية في عملية انتقال ديمقراطي فريدة، تمكّن إخوان من مفاصل السلطة حينها تعثرت تحقيقات حادثة مسجد دار الرئاسة، وفرّ عدد من المتهمين من السجون، وتأخر القضاء في حسم القضية. وعندما انقلب الحوثيون على الدولة في 21 سبتمبر 2014، كان "الثمن" الوحيد الذي تحصّل عليه الإصلاح من تلك العلاقة هو الإفراج عن بقايا المتهمين عبر صفقات تبادل الأسرى، وطي ملف التحقيق اعتقاداً أن الزمن كفيل بإسقاط القضية بالتقادم.
إن جريمة مسجد دار الرئاسة وسقوط صنعاء وجهان لعملة واحدة في استهداف الدولة وعندما تستباح حرمة المساجد، وتُسقط العاصمة بلا قتال يكون الجميع خاسراً، والوطن كله هو الضحية.
لقد أرادوا من خلال الاستهداف والانقلاب قتل فكرة أن اليمنيين قادرون على تداول السلطة سلمياً، وأن الخلاف السياسي يُحسم بالحوار لا بالدبابة والمدفع لكن الدماء التي سالت في دار الرئاسة، والصمت الذي رافق سقوط صنعاء، صارا شاهدين على أن طريق العنف لا يبني دولة، بل يهدم وطناً ويوصل العملاء وخائنوا الاوطن الى كرسي الرئاسة .
بعد 14 عاماً على حادثة المسجد، و10 أعوام على اجتياح العاصمة، ما زال السؤال مطروحاً: ماذا جنى اليمن من لحظة الانقضاض تلك؟ الإجابة واضحة في جبهات تعز ومأرب ولحج، وفي ملايين النازحين، وفي وطن أنهكته الحرب لان
حادثة دار الرئاسة لم تستهدف زعيماً استهدفت مستقبل اليمن و21 سبتمبر لم يسقط عاصمة فقط أسقط حلم الدولة وها نحن ندفع الثمن جميعاً، بينما يبقى المطلوب من الجميع اليوم استعادة الدولة، وحماية المدنيين، والعودة إلى منطق الدستور قبل أن يتحول الصبر إلى يأس ونعيش الامر الواقع لاكثر من عقد ونحن نشاهد عبث المليشيا بالدولة وهم يرسمون مسار ضياع الدولة في ظل غياب قائد شجاع ومحنك بحجم الزعيم صالح رحمة الله عليه عاش وطنيا محب لوطنه وشعبه وأستشهد مدافعا عن الجمهورية ومنجزاتها السبتمبرية .
أخبار محلية
حينما استُهدف الزعيم علي عبدالله صالح في جامع دار الرئاسة... رسم الحوثيون والإخوان مسار ضياع الدولة اليمنية