أخبار محلية

اليمن: بين قسوة الواقع ورفاهية الاحتفالات

المنتصف نت- المنتصف نت 05/06/2026 14:12 305 مشاهدة
اليمن: بين قسوة الواقع ورفاهية الاحتفالات

في صباحات صنعاء التي تعصف بها قسوة الواقع، تقف أم يمنية أمام بائع الخبز، لا تسأل عن سعر الربطة، بل عن نصفها، في محاولة يائسة لتأجيل جوع أطفالها لساعات إضافية. في منزلها الصغير، يجلس ثلاثة أطفال لم يتذوقوا سوى وجبة واحدة منذ الأمس، وزوجٌ فقد مصدر رزقه منذ سنوات، بينما يتفاقم وطأة الحياة مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتلاشي فرص العمل.

في المقابل، وبينما تكافح آلاف الأسر لتأمين أبسط احتياجاتها، تتصاعد أصوات مكبرات الصوت وتُرفع اللافتات وتُجهز الساحات لاستقبال فعاليات جماهيرية ومهرجانات احتفالية. وبينما ينشغل المواطنون بالبحث عن لقمة العيش، تتجه الجهود والموارد نحو أنشطة دعائية تبدو بعيدة كل البعد عن هموم الناس اليومية.

يعيش اليمن، منذ سنوات، إحدى أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين السكان أوضاعًا معيشية قاسية في ظل اتساع رقعة الفقر وانعدام الأمن الغذائي. تتجلى هذه الأزمة في أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ موظفون بلا رواتب، وأسر عاجزة عن توفير الغذاء والدواء، وطلاب يضطرون لترك مقاعد الدراسة ليساهموا في إعالة عائلاتهم. أصبحت أحلام الأطفال أكثر تواضعًا من أي وقت مضى، فلا تتجاوز الحصول على وجبة كاملة، أو حقيبة مدرسية، أو ملابس جديدة.

رغم هذا الواقع المرير، تستمر الجهود المكثفة لتنظيم مناسبات ذات طابع عقائدي وسياسي، تُمنح لها أهمية بالغة وتُسخّر لها الإمكانات المتاحة. لم تعد هذه المناسبات مجرد فعاليات دينية للقائمين عليها، بل تحولت إلى أدوات لتعزيز خطاب سياسي وفكري يسعى لترسيخ مفاهيم معينة وإضفاء شرعية على مشروع السلطة القائم.

يثير حجم الإنفاق المصاحب لهذه الفعاليات تساؤلات واسعة في ظل العجز الواضح في القطاعات الخدمية الأساسية. فبينما تعاني المستشفيات والمدارس والمؤسسات الخدمية من نقص حاد في الإمكانات، تُخصص الموارد للزينة والمنصات والحملات الإعلامية والأنشطة الجماهيرية. يتكرر شعور الاستياء لدى الكثير من المواطنين الذين يرون أن معاناتهم لا تحظى بالأولوية المطلوبة.

يعبر كثيرون عن إحباطهم من اتساع الفجوة بين احتياجات الناس الفعلية والخطاب المهيمن على المشهد العام، مؤكدين أن ما يشغل الأسر اليوم هو تأمين الغذاء والعلاج والتعليم، لا الانخراط في فعاليات لا تنعكس على حياتهم المعيشية. يرى باحثون ومهتمون بالشأن الاجتماعي أن القضية تتجاوز الجانب المالي، لتصل إلى محاولات التأثير في الوعي المجتمعي وإعادة تشكيل بعض المفاهيم الثقافية والفكرية.

في الأسواق والمجالس العامة وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تتكرر الأسئلة ذاتها حول مصادر تمويل هذه الفعاليات وأسباب توافر الإمكانات لها في وقت تتراجع فيه الخدمات الأساسية وتتزايد معاناة المواطنين. مع استمرار الضغوط الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية، تتسع حالة التذمر الشعبي بصورة ملحوظة، ويزداد شعور الناس بأن أولوياتهم الحقيقية لا تجد مكانها في مقدمة الاهتمام، بينما يظل البحث عن الخبز والدواء والعمل هو الهم الأكبر لمعظم اليمنيين.