آخر الأخبار
«ذا ناشيونال إنترست»: نافذة فرصة لكسر الحوثيين بعد حرب إيران.. والعملات الرقمية مفتاح المعركة المالية   •   إعلام الأزمات في الجنوب: بين الخطاب المهني واستحقاقات الواقع   •   البروفيسور الشعيبي: المؤتمر الطلابي الرابع للبحث والابتكار يمثل منصة علمية لاكتشاف المواهب وتعزيز ثقافة البحث العلمي والابتكار باعتبارهما محركاً للتنمية وصناعة المستقبل   •   نشرة الأسواق الحصرية: بكم عيار 21 في صنعاء وعدن اليوم الجمعة، 5 يونيو 2026؟   •   أحمد علي عبدالله صالح يهنئ منتخبنا الوطني الأول لكرة القدم بتأهلهم إلى نهائيات كأس آسيا 2027م   •   رئيس الوزراء اللبناني يطالب إيران بالكف عن اعتبار لبنان "ورقة لتحسين شروط مفاوضاتها"   •   الوكيل الجنيدي يناقش مع مكتب الأوقاف والإرشاد بأبين تعزيز الخطاب الديني ودوره في دعم التنمية والاستقرار   •   وكيل محافظة أبين يزور مستشفى محنف وعدد من المرافق الخدمية في مديرية لودر   •   هل تخلت ياسمين عبدالعزيز عنه؟..عمرو محمود ياسين يرد   •   بعد مشاركة جوري بكر لتجربتها التي أثارت تفاعل الجمهور.. ما هي جلسات 9D Breathwork؟   •  
أخبار محلية

اليمنيون يعارضون الحرب من أجل إيران … والحوثيون لا يبالون

نافذة اليمن 05/06/2026 15:40 318 مشاهدة
اليمنيون يعارضون الحرب من أجل إيران … والحوثيون لا يبالون

بينما تتحول الممرات البحرية إلى ساحات صراع إقليمي، يبقى اليمنيون عالقين بين حسابات القوى الكبرى وكلفة حرب لا يملكون قرارها.

بينما يرفع الحوثيون شعار نصرة فلسطين ومواجهة إسرائيل، تتزايد المخاوف داخل اليمن من أن تتحوَّل البلاد مجددًا إلى ساحة صراع تخدم حسابات إيران الإقليمية أكثر مما تخدم مصالح اليمنيين. وبين الضغوط الخارجية والأزمات الداخلية، يبدو صوت الشارع اليمني أبعد ما يكون عن التأثير في قرارات الجماعة.

في وقتٍ لا يزال الاقتصاد العالمي يواجه تداعيات الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم، تبرز نقطة اختناق استراتيجية أخرى لا تقل أهمية على خريطة التجارة والطاقة العالمية. فعلى بعد نحو 1200 ميل إلى الجنوب الغربي، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، يقع مضيق باب المندب، الممر البحري الضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره قرابة 10% من تجارة النفط العالمية.

وتكتسب أهمية هذا المضيق بُعدًا جيوسياسيًا إضافيًا بالنظر إلى موقعه المحاذي لليمن، حيث تفرض جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) سيطرتها على مساحات واسعة من شمال غرب البلاد. وتُعد الجماعة، وفق تقديرات واسعة، إحدى أبرز أوراق النفوذ الإيراني في المنطقة ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة”. ومن خلال سيطرتها على ميناء الحديدة المطل على البحر الأحمر، تمتلك الجماعة القدرة على تهديد الملاحة في باب المندب وتعطيل أحد أهم مسارات التجارة العالمية، وهو ما تجسَّدَ عمليًا في الهجمات التي شنّتها على السفن التجارية لأكثر من عام منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، على خلفية الحرب في غزة.

وتُعزّزُ التصريحات الصادرة من طهرانَّ الانطباع بأنَّ باب المندب بات جُزءًا من معادلة الردع الإقليمية الإيرانية. ففي نيسان (أبريل)، أكد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، أنَّ القيادة العسكرية في بلاده تنظر إلى مضيق باب المندب بالأهمية الاستراتيجية نفسها التي توليها لمضيق هرمز. وبعد ذلك بأشهر، أشارت وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري إلى أنَّ إيران وحلفاءها لا يملكون فقط خيار إغلاق هرمز، بل يمتلكون أيضًا القدرة على فتح جبهات ضغط إضافية، من بينها باب المندب.

وفي اليمن، تبدو جماعة الحوثي مستعدة للعب هذا الدور. فمن صنعاء، أعلنت الحركة منذ الساعات الأولى للتصعيد الأميركي – الإسرائيلي ضد إيران تضامنها الكامل مع طهران، قبل أن تنتقل من الدعم السياسي إلى الانخراط العسكري المباشر عبر إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل في نهاية آذار (مارس). ومع استمرار المفاوضات بين واشنطن وطهران، واصل الحوثيون رفع سقف التهديدات، محذّرين من أنَّ أيَّ هجوم جديد على إيران قد يشعل مواجهة إقليمية واسعة النطاق “سيحترق فيها الجميع”.

لكن هذا التصعيد الخارجي يثير مخاوف متزايدة داخل اليمن نفسه، البلد الذي لا يزال يرزح تحت وطأة واحدة من أسوَإِ الأزمات الإنسانية في العالم. فبعد سنوات من الحرب الأهلية والانهيار الاقتصادي، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنَّ أكثر من 18.2 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. وفي ظل هذا الواقع الهشّ، يخشى كثير من اليمنيين أن يؤدي انخراط الحوثيين في صراع إقليمي أوسع إلى جرِّ البلاد نحو جولة جديدة من المعاناة وعدم الاستقرار.

وقد ظهرت هذه المخاوف بصورةٍ لافتة عبر وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي، رُغمَ أنَّ التعبير العلني عن المواقف المعارضة في مناطق سيطرة الحوثيين قد يُعرّض أصحابه للاعتقال أو الإخفاء القسري. فبعد الهجمات الصاروخية التي استهدفت إسرائيل في آذار (مارس)، كتب المحامي والناشط الحقوقي بنيان جمال من صنعاء أنَّ اليمنيين يُدفَعون إلى أتون مواجهة بين قوتين كبيرتين هما إيران والولايات المتحدة، في وقتٍ يعاني فيه المجتمع أصلًا إنهاكًا اقتصاديًا ونفسيًا وإنسانيًا عميقًا.

ومع ذلك، لا يبدو أنَّ هذه الأصوات تشكّل عامل ضغط مؤثرًا في حسابات الجماعة. فبحسب محللين، تظل أولوية الحوثيين مرتبطة بالحفاظ على تحالفهم الاستراتيجي مع طهران أكثر من اهتمامهم بردود الفعل المحلية. وتستند الحركة في بنيتها السياسية والإيديولوجية إلى نموذج الحكم الذي تبلور في إيران عقب الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة الإمام روح الله الخميني. كما إنَّ الدعم الإيراني المستمر، الذي شمل تزويد الجماعة بالأسلحة منذ عام 2009 على الأقل وفق تقارير أممية، أسهم في تعزيز نفوذها العسكري والسياسي، ومكّنها من فرض سيطرتها على نحو 28 في المئة من مساحة اليمن، وهي المناطق التي تضم غالبية سكان البلاد.

الإيمان التأسيسي في السيطرة المركزية

ولا يمكن فهم موقع الحوثيين في المشهد الإقليمي من دون التوقّف عند طبيعة النظام الذي بنته الجماعة داخل مناطق سيطرتها. فمنذ نشأتها في أوائل تسعينيات القرن الماضي في محافظة صعدة شمال اليمن، استندت حركة “أنصار الله” إلى مفهوم “الولاية” بوصفه الركيزة العقائدية والتنظيمية الأساسية لها، وهو نموذج يمنح السلطة العليا لزعيم واحد يتمتع بشرعية دينية وسياسية مطلقة. ويتولى عبد الملك الحوثي قيادة الجماعة منذ عام 2004، خلفًا لشقيقه ومؤسس الحركة حسين الحوثي.

ويرى الباحث السياسي أيمن نبيل أنَّ الجماعة تجاوزت منذ وقت مبكر مسألة البحث عن الشرعية السياسية التقليدية، معتمدَةً بدلًا من ذلك على بنية إيديولوجية تقوم على الانتماء الطائفي والانتساب السلالي. ويعكس هذا التوجه طبيعة النظام الذي أسسته الحركة، والذي يتركز حول قيادة هرمية تمتد نفوذها إلى مختلف جوانب الحياة العامة.

ولا يقتصر نفوذ الجماعة على المجال العسكري أو الأمني، بل يشمل شبكة واسعة من المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية. ويقود عبد الملك الحوثي منظومة متشعّبة من المجالس والهيئات الإدارية، تتصدرها بنية تنفيذية تضم عددًا من الإدارات المتخصصة التي تتولى مهام التعبئة الفكرية والاجتماعية. وتشير تقارير محلية إلى أنَّ هذه المؤسسات تشرف على برامج تثقيفية ودورات إلزامية تستمر أحيانًا لأسابيع، وتهدف إلى ترسيخ رؤية الجماعة الإيديولوجية وتعزيز خطابها القائم على أحقيتها الدينية والسياسية في الحكم.

ويُسنَدُ هذا البناء المؤسّسي بجهازٍ أمني واستخباراتي واسع الصلاحيات يشكّل العمود الفقري لسلطة الجماعة. فإلى جانب الأجهزة الرسمية التابعة لوزارة الداخلية وقوات الأمن العام، يدير الحوثيون منظومة موازية تُعرف باسم “نظام المشرفين”، وهي شبكة من المسؤولين المحليين المنتشرين على مستوى المحافظات والمديريات، وتؤدي دورًا محوريًا في الرقابة والإدارة والتعبئة الاجتماعية.

وخلال السنوات الأخيرة، اتسع نطاق هذه السيطرة ليشمل المؤسسات القضائية أيضًا. فقد أشار تقريرٌ لفريق خبراء الأمم المتحدة إلى أنَّ القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين تحوّل تدريجًا إلى أداة أمنية تُستخدم لتقييد الحريات واستهداف المعارضين. ووفقًا للتقرير، يواجه كثير من المعتقلين قيودًا تحول دون حصولهم على ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك الاطلاع على التُهَم الموجَّهة إليهم أو الاستعانة بمحامين، بينما يُحتجز بعضهم لفترات طويلة من دون إجراءات قضائية مكتملة.

وبالتوازي مع إحكام قبضتها الأمنية والسياسية، عملت الجماعة على إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي بما يخدم مصالحها المباشرة. ويوضح الباحث اليمني صلاح علي صلاح أنَّ الحوثيين أنشَؤوا قطاعًا اقتصاديًا يدور في فلكهم ويمنح الامتيازات للموالين، في مقابل تهميش الفاعلين الاقتصاديين خارج دائرة النفوذ. وقد تحقق ذلك من خلال فرض قيود ورسوم متنوعة، من بينها مساهمات تُقدَّم تحت مسمى “المجهود الحربي”، فضلًا عن إجراءات حدّت من قدرة التجار المستقلين على المنافسة.

وأدى هذا المسار إلى نشوء طبقة اقتصادية جديدة مرتبطة بالجماعة، في وقتٍ تراجعت فرص الفئات الأخرى في الوصول إلى الموارد والأسواق. وبمرور الوقت، لم يعد النفوذ الحوثي قائمًا فقط على السيطرة العسكرية أو الأمنية، بل أصبح مدعومًا بمنظومة سياسية واقتصادية متكاملة تقلص هامش المعارضة وتدفع قطاعات واسعة من السكان إلى التكيُّف مع الأمر الواقع، سواء عبر الانخراط في مؤسسات الجماعة أو القبول بموقع هامشي داخل النظام الذي أنشأته.

ولا تقتصر آثار هذا النموذج من الحُكم على المؤسّسات الرسمية فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي ذاته. فبحسب صلاح علي صلاح، تؤدي البيئات التي تخضع لمستويات مرتفعة من الرقابة والضبط الأمني إلى تآكل الثقة بين الأفراد، إذ يصبح الناس أكثر حذرًا في أحاديثهم اليومية وأكثر تشكُّكًا فيمَن يحيط بهم. وفي مثل هذه الظروف، قد يلجأ البعض إلى الإبلاغ عن معارفهم أو إظهار الولاء للسلطات بصورة استباقية، سواء بدافع الخوف أو تجنبًا لإثارة الشبهات.

ويترك هذا المناخ بصماته العميقة على السلوك العام، حتى عندما لا يكون التدخُّل الأمني مباشرًا. ويوضح صلاح أنَّ كثيرًين من المواطنين يتجنّبون الخوض في النقاشات السياسية أو التعبير عن آرائهم في المجال العام، كما يزداد حرصهم في تحديد الأشخاص الذين يمكن الوثوق بهم. ومع مرور الوقت، تتحول الرقابة الذاتية إلى ممارسة يومية، إذ يفترض الأفراد مسبقًا أنَّ أيَّ موقفٍ أو رأي مخالف قد يترتب عليه ثمن شخصي أو مهني.

فلسطين: أداة للتعبئة ومبرِّر لتوسيع القبضة الأمنية

في هذا السياق، وفّرت الحرب في غزة وما تبعها من مواجهة بين الحوثيين والولايات المتحدة وإسرائيل فرصةً جديدة للجماعة لتعزيز سيطرتها الداخلية. فبينما قدم الحوثيون تدخلهم العسكري بوصفه دعمًا للفلسطينيين ومواجهةً للضغوط الخارجية، رافق ذلك تشديد ملحوظ للإجراءات الأمنية داخل مناطق سيطرتهم بهدف ضبط الخطاب العام وإحكام السيطرة على الفضاء الإعلامي والسياسي.

وشهدت تلك الفترة موجات اعتقالات طالت معارضين وناشطين وصحافيين، إضافة إلى عدد كبير من العاملين في منظمات المجتمع المدني، تحت اتهامات تراوحت بين التجسس والتعاون مع جهات خارجية. كما نفذت الجماعة حملات مداهمة استهدفت مقار مؤسسات مدنية، في خطوة اعتبرها مراقبون جُزءًا من مسارٍ أوسع لتقليص الحيِّز العام وإضعاف ما تبقّى من مساحات التعبير المستقل.

وامتدَّ هذا التضييق إلى الفضاء الرقمي أيضًا، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بدورها عرضة للمراقبة والاستهداف. ومن بين الحالات التي أثارت اهتمامًا واسعًا قضية القاضي عبد الوهاب قطران، الذي أمضى أكثر من عام في السجن بعد نشره تغريدة انتقد فيها انخراط الجماعة في الحرب ضد إسرائيل.

ويرى صلاح أنَّ انضمام الحوثيين إلى المواجهة تحت شعار دعم غزة لم يترجم بالضرورة إلى شرعية شعبية أوسع داخل اليمن، بقدر ما وفر لهم ما يصفه بـ”الشرعية الوظيفية”. فالقضية الفلسطينية، بما تحمله من رمزية وتأثير عاطفي واسع في المنطقة، أتاحت للجماعة توظيف خطاب “مقاومة العدوان الخارجي” لتعزيز تماسك قاعدتها السياسية وتبرير تشديد إجراءاتها الأمنية.

صحيح أنَّ الضربات الأميركية والإسرائيلية ألحقت أضرارًا بقدرات الجماعة العسكرية واستهدفت بعض قياداتها، ما أحدث حالة من الارتباك داخل بنيتها التنظيمية، إلّا أنَّ الحوثيين تمكّنوا من احتواء تداعيات تلك الضغوط عبر تكريس سردية تُركِّز على وجود تهديد خارجي دائم. ووفقًا لصلاح، فقد سمحت هذه الرواية للجماعة بتحويل التحديات العسكرية إلى أداة سياسية عززت من خلالها قبضتها الأمنية ورسخت مبررات استمرارها في فرض إجراءات استثنائية داخل مناطق سيطرتها.

ولا يقتصر توظيف الحوثيين للقضية الفلسطينية على تبرير الإجراءات الأمنية أو احتواء المعارضة الداخلية، بل يشكل أحد الأعمدة الإيديولوجية الأساسية التي استندت إليها الجماعة في بناء مشروعها السياسي منذ نشأتها. فبحسب صلاح علي صلاح، نجحت الحركة في استثمار التعاطف الشعبي العميق مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع اليمني لتحويلها إلى أداة فعالة للتعبئة السياسية والعسكرية.

وعلى مدى سنوات، نظمت الجماعة مظاهرات جماهيرية واسعة وحملات تعبئة فكرية وبرامج تجنيد استندت جميعها إلى خطاب “نصرة فلسطين”. وقد لعب جهاز “التعبئة العامة” التابع للحوثيين دورًا محوريًا في هذه العملية، وهو جهاز يستلهم في بنيته ووظيفته نموذج قوات “الباسيج” شبه العسكرية في إيران. وبعد هجوم “حماس” على إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، سارع الحوثيون إلى إعلان حالة تعبئة عامة تحت شعار “فيضان الأقصى”، مستعيرين الاسم الذي أطلقته الحركة الفلسطينية على عمليتها العسكرية.

الحوثيون وإيران: حدود التأييد الشعبي

غير أنَّ نجاحَ الجماعة في توظيف القضية الفلسطينية داخليًا لا يعني بالضرورة وجود تأييد شعبي واسع لسياساتها الإقليمية أو لعلاقتها المتنامية مع إيران. فبينما تحظى القضية الفلسطينية بإجماعٍ عاطفي واسع بين اليمنيين، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بزجِّ اليمن في صراعات تتجاوز حدوده ومصالحه المباشرة.

وقد برزت هذه المخاوف بوضوح عقب الهجمات التي شنّها الحوثيون على إسرائيل في آذار (مارس) الماضي. ففي تعليق لاقى انتشارًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حذّر الناشط الحقوقي محمد أمين اليمنيين من تداعيات أي تصعيد عسكري محتمل، مشيرًا إلى أنَّ الدول التي تدخل الحروب عادة ما تسبق ذلك بإجراءات وقائية تشمل تعزيز الدفاعات الجوية وتوفير الإمدادات الأساسية والملاجئ، في حين أنَّ المواطنين اليمنيين يواجهون هذه التطورات وسط أوضاع إنسانية واقتصادية بالغة الهشاشة. ودعا أمين السكان إلى اتخاذ احتياطات شخصية، بما في ذلك تخزين المواد الغذائية والإمدادات الطبية تحسبًا لأيِّ طارئ.

ويرى ماجد المذجي، المؤسس المشارك لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أنَّ المواجهة الحالية تختلف عن جولات التصعيد السابقة التي ربطها الحوثيون مباشرة بالدفاع عن غزة. فبحسب تقديره، تفتقر هذه المرة إلى مبرر داخلي مقنع بالنسبة إلى كثير من اليمنيين، لأنها ترتبط بصورة أوضح بالدفاع عن المصالح الإيرانية أكثر من ارتباطها بالقضية الفلسطينية ذاتها.

ويذهب المذجي إلى أنَّ تدخل الحوثيين في هذه المواجهة يندرج ضمن التزاماتهم الاستراتيجية تجاه طهران، ويعكس موقعهم داخل شبكة التحالفات الإقليمية التي تقودها إيران. ومن هذا المنظور، فإنَّ القرار لا يستند بالدرجة الأولى إلى حسابات المصلحة الوطنية اليمنية، بل إلى اعتبارات تتعلق بالعلاقة بين الجماعة وحليفها الإقليمي الرئيسي.

ويخلص المذجي إلى أنَّ القيادة الحوثية قد تأخذ المزاج الداخلي في الحسبان عند إدارة شؤونها اليومية، إلّا أنَّ هذه الاعتبارات تظل محدودة التأثير عندما يتعلق الأمر بالقرارات الاستراتيجية الكبرى. ففي نهاية المطاف، تُصاغ خيارات الجماعة وفق حسابات قيادتها ورؤيتها لموقعها داخل المحور الإقليمي الذي تنتمي إليه، وليس استجابةً للرأي العام اليمني.

وفي ظلِّ هذا الواقع، تبدو المفارقة اليمنية أكثر وضوحًا من أيِّ وقتٍ مضى: فبينما يمتلك الحوثيون القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم وفرض أنفسهم لاعبًا إقليميًا تتجاوز تداعيات أفعاله حدود اليمن، يظل ملايين اليمنيين عالقين في دوامة الفقر والحرب والانهيار المؤسسي. وبين رهانات طهران الاستراتيجية وحسابات الجماعة السياسية، يبقى السؤال مفتوحًا حول الثمن الذي سيدفعه اليمنيون إذا تحوّلت بلادهم مجددًا إلى ساحة مواجهة في صراع إقليمي لا يملكون القدرة على التحكُّم بمساره أو نتائجه.