كتب/ د. اديب الشاطري
لم يتمالك المدرب الجزائري نور الدين ولد علي أعصابه بعد صافرة النهاية التي منحت منتخب اليمن تأشيرة العودة إلى نهائيات كأس آسيا 2027، فذرف دموعه بحرقة أمام الكاميرات في مشهد صادم ومؤثر في آن.
دموع الجزائري لم تكن مجرد رد فعل عاطفي على تأهل يمني تاريخي، بل كانت فضيحة مدوية بأكثر من معنى.
بكاء ليس لفوز، بل بكاء لمن تعب وأعطى بلا حدود لوطن ليس وطنه، على عكس من نهبوا وهربوا وأفسدوا تحت غطاء الأنظمة والصفقات.
فالمدرب الجزائري الذي قاد منتخب اليمن بإمكانيات أشبه بـ"صفر" في عالم كرة القدم، استطاع أن يرفع امس راية بلد يعاني التمزق والحرب، وعقاب جماعي يمارس داخليًا وخارجيًا على شعبه (منع وصول الخدمات الصرورية كهرباء وماء اليه) إلى سماء القارة الآسيوية، بعد فوز ثمين على لبنان بهدفين نظيفين.
لكن المفاجأة الأكبر تكمن في المقارنة التي لا يرحمها التاريخ. فبينما يبكي ولد علي فرحًا بعد أن منح اليمن إنجازًا تاريخيًا، هناك من ينهبون المال العام ويتاجرون بصفقات الفساد والرشى ويبيعون أنفسهم للخارج لقاء حفنة من الدراهم.
محبة جزائرية مقابل فساد يمني مؤسساتي
ما فعله ولد علي ليس مجرد نجاح رياضي عابر، بل هو عمل إنساني بامتياز، فالرجل ليس مدرب فنادق خمس نجوم؛ لقد عمل في ظروف قاسية، ظروف لم تمنعه من تقديم كل ما يملك لإسعاد شعب ليس شعبه. تمامًا كما يفعل معظم الجزائريين الأقحاح مع الشعب الفلسطيني أولاً واليمني ثانيًا، في تضامن عربي أصيل قل نظيره.
وفي المقابل، هناك من يمسح بسمعة اليمن في وحل الفساد والرشى ونهب المال العام. وهناك من يبيع نفسه للغير مقابل حفنة من المال، أو يرتمي في أحضان الدول العربية والغربية ليحصل على بعض الامتيازات.
لكن الأدهى والأمرّ أن هذا المشهد المؤثر للمدرب الجزائري الداهية يفضح بشكل صارخ واقعًا مؤسفًا: فالمدرب الذي جاء من بلد الانفة، والعزة، والكرامة، استطاع أن يحقق ما عجز عنه الكثيرون ممن تولوا مسؤولية إدارة هذا البلد الذي يطفح بالأزمات.
ولد.علي جاء من المدرسة التي انجبت رابح سعدان مدرب المنتخب اليمني لكرة القدم السابق، "مدرسة الجزائر لتدريب الكفاءات الرياضية (STS)" خرّجت جيلًا من المدربين الموهوبين، جاء ولد علي ليفضح الفساد والتناقض الصارخ بين من يبذلون كل شيء لمنفعة الآخرين وبين من ينهبون وطنهم بكل وقاحة، ولذا فإنني أتوقع أن يبدأ الآن وضع العراقيل في طريق منتخبه الذي بناه حجرًا حجرًا. تمامًا كما حدث مع سلفه الجزائري رابح في عام 2006م، حين تعرض للتهميش والإقصاء رغم النجاحات التي حققها.
فالفساد لا يرحم، وأصحاب المصالح لن يسمحوا لأي كان ولو جاء_ من بلد المليون ونصف مليون شهيد _ متطوعًا، بأن يفضحهم بهذا المشهد الصادم. الدموع التي ذرفها ولد علي ستتحول قريبًا إلى أسلحة تُوجه ضده من قِبل من يشعرون أنهم مكشوفون أمام الرأي العام.
التاريخ سيذكر أن مدربًا جزائريًا، بقلب ينبض بالحب الصافي لليمن، استطاع أن يقدم لوطن ليس وطنه أكثر مما قدمه الكثيرون ممن نصبوا أنفسهم أوصياء على هذا الوطن.
والتاريخ سيسجل أيضًا أن دموعه التي ذرفها ليلة أمس كانت فضيحة أخلاقية كبرى لكل من يريد أن يرى الفرق بين من يعطي بلا حدود ومن ينهب بلا رحمة.
فهل سيتعلم أبناء اليمن من هذا الدرس القاسي؟ وهل سيدركون أن من يحبهم ويضحي لأجلهم قد لا يكون من بينهم؟