في الوقت الذي يواجه فيه الريال اليمني انهياراً تاريخياً غير مسبوق، وتكافح الحكومة لتأمين لقمة العيش ومرتبات الموظفين، يبرز إلى السطح ملف "تمرد المحافظات الإيرادية" كأحد أبرز العوامل التي تقوض ركائز الاقتصاد الوطني. ورغم التوجيهات المتكررة بضرورة توريد كافة الإيرادات السيادية والمحلية إلى البنك المركزي في عدن، إلا أن الواقع على الأرض يكشف مشهداً مغايراً تماماً؛ إذ تصر قوى نفوذ وسلطات محلية في محافظات حيوية مثل مأرب وحضرموت على إبقاء مبيعات الغاز والنفط والرسوم الضريبية والجمركية داخل حسابات محلية خاصة، بعيداً عن خزينة الدولة المركزية.
يبحث هذا التحقيق في كواليس هذا الملف الشائك، مستعرضاً الإجراءات القانونية المتاحة وخلفيات الصمت السياسي، من خلال آراء خبراء في الشأنين الاقتصادي والسياسي.
المنظومة القانونية المعطلة.. كيف يمكن إلزام المحافظات بالتوريد؟
يرى خبراء الإدارة العامة والقانون أن الحكومة تمتلك ترسانة من الإجراءات الدستورية والقانونية التي تمكنها من فرض هيبة الدولة مالياً، وتتدرج هذه الإجراءات وفق المسارات التالية:
- تفعيل الربط الشبكي وإغلاق الحسابات الموازية:
يتطلب الأمر قراراً تنفيذياً صارماً يقضي بإغلاق كافة الحسابات الفرعية للسلطات المحلية في البنوك التجارية ومحلات الصرافة، وإلزام جميع المنافذ السيادية (شركات النفط، ومصافي مأرب، والجمارك، والضرائب) بربط أنظمتها المالية بفرع البنك المركزي الرئيسي في عدن بشكل آلي ومباشر.
- اعتماد مبدأ "المقاصة العادلة":
سحب مبررات السلطات المحلية عبر الالتزام المركزي بتمويل الخدمات الأساسية (الكهرباء، والصحة، والتعليم، والمرتبات) لكل محافظة بناءً على موازنة تشغيلية واضحة، مقابل التوريد الكامل للإيرادات.
- العقوبات الإدارية والقانونية:
يمنح قانون السلطة المحلية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة صلاحية تجميد نفوذ أو تغيير أي محافظ يرفض الامتثال للتوجيهات المالية السيادية، وإحالة المتورطين في احتجاز المال العام إلى نيابة الأموال العامة بتهمة تبديد موارد الدولة.
- العزل المالي:
استخدام البنك المركزي لصلاحياته في إيقاف التعاملات المالية والنفقات المركزية الموجهة للفروع المتمردة كأداة ضغط اقتصادي أخيرة.
عين الاقتصاد.. نزيف مالي مستمر ومطالب بالرقابة الصارمة
في الجانب الاقتصادي، يتحدث الخبراء بنبرة تحذيرية من استمرار هذا الانقسام المالي الذي يصفونه بـ"الانتحار الاقتصادي".
يقول أحد المحللين الاقتصاديين البارزين: "إن استمرار محافظات مثل مأرب وحضرموت، وكذلك الإجراءات المماثلة التي تحدث أحياناً في عدن أو تعز تحت مبررات خدمية، في احتجاز الإيرادات يمثل ضربة قاضية لجهود الاستقرار النقدي. فالبنك المركزي في عدن يتحمل بمفرده عبء توفير السيولة، وتغطية استيراد الوقود، وصرف مرتبات القطاع العام، بينما تظل الإيرادات السيادية من مبيعات الغاز المنزلي والنفط والجمارك محبوسة محلياً أو مقيدة دفترياً دون سيولة نقدية فعلية تدخل الخزينة العامة.
الحل لا يكمن في التسويات السياسية المؤقتة، بل في تطبيق قانون المالية العامة بصرامة، وتفعيل دور الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة للإشراف المباشر على حسابات شركة النفط ومصافي مأرب وموانئ حضرموت وعدن، وضمان تدفق العملة الصعبة والنقد المحلي إلى خزائن البنك المركزي الرئيسي لإنعاش الريال اليمني المتهاوي."
كواليس السياسة.. "توازنات الضعف" والخشية من الانفجار
على الجانب الآخر، يبدو المشهد السياسي أكثر تعقيداً، إذ تحكمه حسابات الربح والخسارة العسكرية والقبلية بعيداً عن نصوص القانون.
ويشرح محلل سياسي مطلع أبعاد الصمت الحكومي قائلاً:
"الصمت الحكومي والسياسي تجاه تمرد المحافظات الإيرادية ليس دليلاً على الرضا، بل هو نتاج لـ'توازنات الضعف' داخل مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية. فالقيادة السياسية تخشى أن يؤدي الصدام المباشر مع مراكز القوى المحلية والعسكرية والقبلية في مأرب أو حضرموت إلى تفكيك الجبهة المناهضة لمليشيا الحوثي، أو حدوث انقسام داخلي مسلح قد يستغله الطرف الآخر.
كما أن رموز السلطة المحلية في هذه المحافظات يمثلون ثقلاً قبلياً وسياسياً وعسكرياً كبيراً على الأرض. وترى القيادة في عدن أن فتح ملف الإيرادات بالقوة قد يدفع هذه المحافظات نحو إعلان الحكم الذاتي الكامل أو التمرد الشامل، ما جعل الحكومة تفضل خيار المساومة والمهادنة والاعتماد على المنح والودائع الخارجية لتسيير أعمالها، بدلاً من فرض هيبة الدولة مالياً في مواجهة قد تكون عواقبها كارثية."
لماذا تصمت القيادة السياسية والحكومة؟
من خلال تتبع مسار الأزمة، يمكن تلخيص أسباب تغاضي القيادة العليا والحكومة عن اتخاذ إجراءات رادعة في ثلاث نقاط رئيسية:
- الهشاشة والتشظي داخل مجلس القيادة:
يتشكل مجلس القيادة الرئاسي من أطراف متباينة في الولاءات والمشاريع السياسية، وبالتالي فإن الضغط على طرف معين، سواء في مأرب أو حضرموت، قد يفجر الخلافات البينية ويهدد تماسك المجلس الهش.
- الذرائع الأمنية والخدمية المحبوكة:
تمتلك السلطات المحلية في تلك المحافظات أوراق قوة مؤثرة، إذ تحتج دائماً بأنها تتحمل نفقات تثبيت الجبهات العسكرية، وإيواء مئات الآلاف من النازحين، وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها في ظل عجز الحكومة المركزية عن تقديم موازنات حقيقية.
- غياب الأداة العسكرية المحايدة:
لا تمتلك الحكومة في عدن قوة عسكرية مركزية موحدة ومحايدة قادرة على فرض إرادتها وتطبيق القرارات المالية في المحافظات الشرقية والشمالية، مما يجعل أي قرار غير توافقي مجرد حبر على ورق.
خاتمة
يبقى ملف توريد الإيرادات الاختبار الحقيقي لمدى جدية مجلس القيادة الرئاسي في بناء "دولة المؤسسات". وبينما تستمر السياسة في تقديم التنازلات تحت مبرر الحفاظ على وحدة الصف، يدفع المواطن اليمني البسيط الثمن الأغلى من قوته اليومي وقيمة عملته الوطنية، وسط تساؤلات مستمرة: إلى متى ستظل "الترضيات السياسية" مقدمة على حساب القوانين السيادية للدولة؟