من المؤلم أن تلجأ الحكومة إلى خطوات غير مدروسة وفي توقيت بالغ الحساسية، من خلال رفع الرسوم الجمركية والضريبية على الواردات، عبر تعويم سعر الصرف الجمركي، سعيًا نحو زيادة إيرادات خزينة الدولة، في وقت يعاني فيه المواطن من أوضاع معيشية قاسية، وانهيار في القدرة الشرائية، وارتفاع خطير وغير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، واتساع دائرة الجوع وذل الحاجة، إلى جانب تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي، والتي تتزايد بصورة خطيرة كل يوم.
إن هذه الإجراءات، مهما كانت مبرراتها المالية، لن يتحمل أعباءها سوى المواطن البسيط الذي أنهكه الفقر والأزمات المتلاحقة. فزيادة تكاليف الاستيراد تعني بالضرورة ارتفاعًا جديدًا في أسعار كل السلع الأساسية والضرورية والكماليات التي يحتاجها المواطنون من أجل البقاء على قيد الحياة واستمرار العيش، الأمر الذي سيضاعف معاناة الأسر، ويوسّع دائرة الفقر والجوع، ويزيد من حدة التحديات المعيشية التي تتفاقم يومًا بعد يوم.
إن الطريق الصحيح لتعزيز إيرادات خزينة الدولة لا يكون بفرض مزيد من الأعباء على المواطنين، بل يتحقق من خلال الإدارة الرشيدة للموارد الوطنية، والاستغلال الأمثل للثروات والإمكانات الاقتصادية، وتفعيل المشاريع التنموية والإنتاجية، وتمكين المؤسسات كافة من أداء دورها بكفاءة وشفافية، بما يسهم في خلق موارد اقتصادية مستدامة وتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة.
فالمعالجات الاقتصادية التي تُنفذ في توقيت غير مناسب قد تتحول إلى كارثة يصعب تدارك آثارها، وتصبح عبئًا ثقيلًا على الوطن والمواطن. فالأوطان لا تُصان ولا تُبنى بإثقال كاهل المواطنين بالرسوم والضرائب، وإنما بحسن الإدارة، والاستثمار الفاعل للموارد، وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني، وتوفير البيئة الداعمة للإنتاج والعمل والاستثمار والتنمية.
إن استقرار الدول لا يتحقق إلا عندما يكون تحسين مستوى المعيشة وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين من غذاء ودواء وخدمات وفرص عمل في مقدمة أولويات الحكومات. فالمواطن هو أساس التنمية وغايتها، وأي سياسة اقتصادية لا تراعي أوضاعه المعيشية ستظل بعيدة عن تحقيق الاستقرار الحقيقي والتنمية المستدامة.
إن الدول لا تحتاج إلى موارد ضخمة بقدر حاجتها إلى إدارة ناجحة، ورؤية واضحة، وإرادة صادقة، والاستعانة بأصحاب الخبرة والكفاءة. فالتنمية الحقيقية تبدأ من الإدارة السليمة للموارد، ومن القرارات الحكيمة التي تضع مصلحة المواطن وكرامته وحياته ومستقبله فوق كل اعتبار.
إن الأوطان لا تسقط بسبب اختلاف الآراء، وإنما عندما تُهمل القضايا الأساسية التي تمس حياة المواطنين، وعندما تُؤجل معالجة المشكلات الحقيقية، وتُقدَّم المصالح الضيقة على المصلحة العامة. عندها يكون السقوط لا بد منه وأمرًا حتميًا.
إن المسؤولية الحقيقية لأي حكومة تتمثل في خدمة المواطن، وتحسين مستوى معيشته، وتوفير مقومات الحياة الكريمة له ولأسرته، وصناعة مستقبل أفضل تنعم في ظله الأجيال القادمة.
إن نهضة الدول لا ترتبط بتغيير الأشخاص فقط، بل بتغيير أساليب التفكير والإدارة، وترسيخ ثقافة الكفاءة والمساءلة، وتعزيز الشعور بالمسؤولية، والعمل الجاد من أجل بناء دولة قوية، واقتصاد مستدام، ومجتمع ينعم بالأمن والاستقرار، تسوده الرحمة والعدالة، وتحميه سلطة القانون.