لسنوات طويلة، بقيت العلاقة بين مليشيا الحوثي الإرهابية، وكلاء إيران في اليمن، وحركة الشباب الصومالية الإرهابية بعيدة عن دائرة الضوء، إذ كانت تُصنَّف ضمن الملفات الأمنية الثانوية مقارنة بالأزمات الكبرى التي هيمنت على المشهد الإقليمي. إلا أن المتغيرات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين دفعت هذا الملف إلى واجهة الاهتمام، مع تزايد المؤشرات على تشكل شراكة تتجاوز حدود التنسيق التقليدي بين الجماعتين المسلحتين.
وفي ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية المتنامية التي تواجهها إيران، وما رافقها من تراجع نسبي في أدوار بعض حلفائها الإقليميين، بدأت مليشيا الحوثي في البحث عن مسارات جديدة لتعزيز نفوذها وتوسيع هامش حركتها، بعيداً عن الاعتماد الكامل على الدعم الإيراني الذي شكّل، لعقود، ركيزة أساسية لقوتها السياسية والعسكرية.
وتشير تقارير دولية ومعلومات متداولة في الأوساط الأمنية إلى أن العلاقة بين عصابة الحوثي وحركة الشباب شهدت تطوراً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة. فلم يعد التعاون يقتصر على تبادل المصالح العابرة أو قنوات الاتصال المحدودة، بل بات يتخذ أشكالاً أكثر تنظيماً، تشمل شبكات التهريب، والتنسيق اللوجستي، والتدريب العسكري.
وتحدثت تقارير أممية عن انتقال عناصر من حركة الشباب إلى مناطق يمنية، خصوصاً في محافظتي مأرب وشبوة، للمشاركة في أنشطة مرتبطة بعمليات تهريب عابرة للحدود تشمل الأسلحة والبضائع غير المشروعة. وفي المقابل، أشارت تقارير أخرى إلى وجود عناصر حوثية داخل الأراضي الصومالية لتقديم خبرات في مجالات الطائرات المسيّرة، والمتفجرات، وتكتيكات القتال غير النظامي.
ويعكس هذا التقارب طبيعة المصالح المشتركة بين الجانبين، إذ تحولت المسافة البحرية التي تفصل اليمن عن الصومال خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة استراتيجية تتقاطع فيها شبكات النفوذ والتهريب والأنشطة المسلحة، بما يمنح الطرفين فرصاً لتعزيز حضورهما في منطقة تُعد من أكثر المناطق حساسية على مستوى التجارة والملاحة الدولية.
وبالنسبة لمليشيا الحوثي، فإن الانفتاح على القرن الأفريقي يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تموضعها إقليمياً. فبعد أن تمكنت من فرض حضورها لاعباً مؤثراً في معادلات البحر الأحمر، باتت تدرك أن الحفاظ على هذا النفوذ يتطلب تنويع مصادر القوة وبناء علاقات جديدة خارج الإطار التقليدي المرتبط بإيران.
في المقابل، ترى حركة الشباب في هذه العلاقة فرصة لتعزيز قدراتها العسكرية والتقنية، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة والعمليات البحرية، التي راكم الحوثيون خبرة متقدمة فيها خلال السنوات الماضية، وهو ما يمنح الحركة أدوات إضافية في صراعها المستمر مع الحكومة الصومالية والقوات الدولية الداعمة لها.
ولا تتوقف تداعيات هذا التقارب عند حدود اليمن والصومال، بل تمتد إلى أمن البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تتزايد المخاوف من تشكل شبكة عابرة للحدود تجمع بين جماعات مسلحة وتنظيمات متشددة وشبكات تهريب منظمة. وقد أظهرت الهجمات التي شهدتها خطوط الملاحة الدولية منذ أواخر عام 2023 حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه الجماعات المسلحة على حركة التجارة العالمية.
ومع اتساع نطاق التعاون بين عصابة الحوثي وحركة الشباب، تتزايد المخاوف من ظهور تهديدات أكثر تعقيداً يصعب التعامل معها بالوسائل الأمنية التقليدية. فالمشهد لم يعد يقتصر على مواجهة تنظيم منفرد أو جماعة محددة، بل يتجه نحو تشكل منظومة مرنة من الفاعلين المسلحين القادرين على تبادل الموارد والخبرات والتكيف مع الضغوط، بما قد يفتح فصلاً جديداً من التحديات الأمنية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.