خلف أسوار التعتيم الإعلامي والمناطق المعزولة عن العالم، تئن مدينة رداع بمحافظة البيضاء تحت وطأة عمليات عسكرية تتجاوز في قسوتها منطق الصراع المسلح. لم تعد "قيفة" مجرد منطقة جغرافية على خارطة اليمن، بل أضحت مسرحًا لانتهاكات ممنهجة تُمارس تحت لافتة "الملاحقات الأمنية".
إن ما يجري هناك ليس مجرد اشتباكات عابرة، بل هو استراتيجية إخضاع تستهدف كسر إرادة القبائل، حيث تُدمر المنازل على رؤوس ساكنيها، وتُغيَّب الحقيقة وسط دخان المداهمات. في هذا التحقيق، نستمع إلى شهادات حية تروي فصول المأساة التي ترزح تحتها عائلات رداع، حيث تحول الأمان إلى حلم بعيد المنال، وحيث بات البقاء على قيد الحياة، بحد ذاته، انتصارًا يوميًا أمام آلة بطش لا تعترف بحدود أو قيم.
لقاءات مع شهود العيان
صالح ناصر (مواطن من سكان القرى المتضررة) قال:
"لا يمكنني وصف الرعب الذي عشناه في تلك الليلة، فقد دخلوا قريتنا في ساعات الفجر الأولى وسط تحليق مكثف للطيران المسيّر، ولم يمهلونا وقتًا للخروج من منازلنا. رأيت بأم عيني جيراننا وهم يفرون بملابس النوم، بينما كانت قذائفهم تنهمر على بيوتنا الطينية دون تمييز بين صغير أو كبير. دمروا منزلًا كان يأوي ثلاث عائلات، وعندما حاولنا استخراج الضحايا من تحت الأنقاض واجهونا بوابل من الرصاص الحي، وكأن الهدف لم يكن القبض على شخص بقدر ما كان ترهيب القرية بأكملها. لا توجد تهمة حقيقية سوى أننا رفضنا الانصياع لرغباتهم في السيطرة المطلقة على أرضنا ومواردنا. لقد فقدنا كل شيء؛ فقدنا أماننا، وفقدنا بيوتنا، والآن نعيش في العراء بانتظار رحمة الله، فلا سلطة تحمينا ولا صوت يوصل مظلمتنا إلى العالم."
الحجة الأمنية التي يسوقونها مجرد غطاء لتبرير الجرائم
أحمد الحداد (ناشط حقوقي محلي) قال:"من خلال رصدي للوقائع الميدانية، أؤكد أن ما يحدث في رداع هو عملية تطهير وتضييق ممنهج ضد كل من يجرؤ على إبداء رأي مخالف أو يعترض على سلوك المليشيا المسلحة.
إن استخدام الأسلحة الثقيلة في تجمعات سكانية مدنية يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، ونحن نوثق كل حادثة منذ بدايتها وحتى اللحظة التي يتم فيها إغلاق المنطقة وفرض الحصار. إن الحجة الأمنية التي يسوقونها مجرد غطاء لتبرير الجرائم، والواقع يشير إلى استهداف شخصيات قبلية واجتماعية كانت تمثل صمام أمان لاستقرار المنطقة.
نحن نواجه تعتيمًا إعلاميًا متعمدًا، حيث يتم قطع الاتصالات والإنترنت بمجرد بدء المداهمات، مما يمنعنا من إيصال حجم الكارثة الإنسانية إلى المنظمات الدولية. إن ما يحدث الآن يتطلب تدخلًا فوريًا، فكل يوم يمر دون ضغط دولي يعني ضحايا جددًا وعائلات جديدة تُشرَّد في الجبال."
دمروا منازلنا واعتقلوا شبابنا
عبد الله سالم (أحد وجهاء القبائل) قال:"نحن قبائل رداع لم نكن يومًا دعاة حرب، لكننا أيضًا لن نقبل أن تُستباح كرامتنا في عقر دارنا. المداهمات التي تنفذها مليشيا الحوثي هي محاولة لكسر هيبة القبيلة، وهي سياسة قديمة جديدة تهدف إلى إذلال الناس وإجبارهم على الخنوع.
لقد دمروا منازلنا التي بنيناها بشقاء العمر، واعتقلوا شبابنا دون أي مبرر قانوني، بل إنهم أحيانًا يستخدمون المدنيين دروعًا بشرية أثناء تقدمهم نحو أهدافهم. إن هذه التصرفات تزيد من حالة الاحتقان الشعبي، وتولد كراهية عميقة قد لا تُحمد عقباها مستقبلًا.
نحن لا نريد سوى العيش بسلام في أرضنا، وممارسة حياتنا بعيدًا عن صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل. إن استمرار هذا النهج العنيف لن يحقق لهم أي استقرار، بل على العكس، فهو يغرس بذور صراع طويل الأمد، ويؤكد أن القوة ليست الطريق الأمثل للتعامل مع المجتمع القبلي الأصيل."
ما يحدث في رداع كابوس
د. محمد علي (طبيب ميداني) يقول:"في الأيام التي تلت المداهمات، استقبلنا حالات لا يمكن للعقل أن يتحملها؛ جروحًا ناجمة عن شظايا قذائف ثقيلة، وحالات اختناق بسبب الغازات، ناهيك عن الصدمات النفسية الحادة لدى الأطفال.
لم نكن نملك الإمكانيات الكافية لتقديم الإسعافات الأولية بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونقص المستلزمات الطبية جراء الحصار المفروض على الطرق المؤدية إلى المدينة. كان المشهد في المستشفى الميداني عبارة عن كابوس؛ أمهات يبحثن عن أبنائهن، وآخرون يفقدون الحياة نتيجة النزيف الحاد في ظل غياب سيارات الإسعاف التي منعت المليشيا حركتها.
إننا نناشد المنظمات الإنسانية أن تلتفت إلى رداع، فالحاجة إلى الدواء والغذاء أصبحت ملحة بقدر حاجتنا إلى وقف القصف. إن الوضع الصحي ينهار بسرعة، وإذا استمر هذا الحصار فإننا نتوقع وقوع كارثة إنسانية أكبر تتجاوز قدرتنا على الاحتواء."
فقدنا الاستقرار والأمان، وأصبحنا نعيش في رعب دائم
فاطمة محسن (امرأة فقدت منزلها في المداهمات) قالت:
"هل تتخيل أن تخرج من منزلك في لحظة واحدة، ثم تعود لتجد كومة من الركام؟ هذا ما حدث لنا في رداع. لم يعطونا فرصة لأخذ حتى ملابس أطفالنا أو وثائقنا الثبوتية، فقد كانت المداهمات سريعة وعنيفة.
رأيت بأم عيني كيف انهارت غرفنا تحت القصف، وكيف تحولت ذكرياتنا إلى غبار في الهواء. نحن الآن نسكن في خيام مهترئة، ولا نجد ما نسد به رمق أطفالنا، ناهيك عن الخوف الذي يلاحقنا في كل لحظة، فأي طائرة تحلق فوقنا تذكرنا بتلك اللحظة القاسية.
نحن نساء رداع دفعنا الثمن الأغلى؛ فقدنا الاستقرار والأمان، وأصبحنا نعيش في رعب دائم من مداهمة أخرى قد تنتهي بنا في سجونهم أو تحت الأنقاض. لن ننسى ما حدث لنا، وسيبقى هذا الجرح مفتوحًا حتى ننال العدالة ونسترد حقوقنا المسلوبة."
الختام:
إن ما يسطره المدنيون في رداع ليس مجرد حكايات عن الألم، بل هو وثيقة إدانة لكل من يصمت أمام هذه الانتهاكات التي ترتكبها مليشيا الحوثي.
لقد أثبتت التجربة أن سياسة القوة التي تُمارس في محافظة البيضاء لا تنتج سوى الخراب، وأن شرارة الظلم التي تُشعل في "قيفة" اليوم قد تتحول إلى لهيب لا يستثني أحدًا.
إن التاريخ لن يرحم من شارك أو سكت أو غض الطرف عن تدمير منازل المدنيين وترويع الآمنين. ويبقى الأمل معلقًا بصوت الحق الذي يتجاوز جدران الحصار، وبإرادة الناس الذين، رغم كل ما فقدوه، ما زالوا متمسكين بكرامتهم وبحقهم في الحياة.
رداع ليست مجرد اسم لمدينة، بل أصبحت اليوم بوصلة أخلاقية تختبر ضمير العالم؛ فهل من مجيب قبل أن تبتلع رمالها المزيد من الضحايا؟ إن الحقيقة لا تُغيّبها القذائف، وسيبقى صوت الحقيقة هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن لأي حصار أن يهزمه.