عدن – تقرير استقصائي خاص:
في خطوة قضائية وحقوقية من العيار الثقيل، وضعت ملفات الفساد المالي الأكثر غموضاً وسرية في منظومة السلطة الشرعية على طاولة القضاء؛ حيث تقدم المستشار أكرم الشاطري، رئيس منظمة "أحرار" لحقوق الإنسان والتنمية ورئيس هيئة مكافحة الفساد في جنوب اليمن، ببلاغ رسمي مدعم بالقرائن إلى النائب العام للجمهورية، القاضي قاهر مصطفى علي، فجّر فيه قنبلة مدوية حول مصير مليارات الدولارات من عائدات النفط السيادية المودعة خارج الأطر القانونية في البنوك الخارجية.
وطالب البلاغ بفتح تحقيق جنائي ومالي عاجل وشامل حول طبيعة الحساب السري المفتوح لإيرادات النفط الخام اليمني لدى "البنك الأهلي السعودي"، وكشف آليات إدارة هذه الأموال السيادية والتصرف بها بعيداً عن رقابة الأجهزة المالية الرسمية.
حساب "جدة" السري.. أين تذهب عائدات نفط حضرموت؟
وأوضح المستشار الشاطري في بلاغه، الذي أحدث ارتدادات واسعة في الأوساط السياسية والقانونية عقب نشره، أن هناك تقارير ومعلومات استخباراتية وإعلامية متقاطعة تؤكد وجود حساب مصرفي موازٍ للبنك المركزي اليمني لدى فرع "البنك الأهلي السعودي" بمدينة جدة. هذا الحساب جرى تخصيصه لسنوات طوال لاستقبال ومراكمة كافة العائدات المالية الناتجة عن بيع النفط الخام اليمني، وبشكل خاص نفط محافظة حضرموت، دون خضوعه للدورة المستندية الدستورية المعتادة داخل البلاد.
وشدد البلاغ على أن هذه الأموال الضخمة:
• تمثل موارد سيادية عليا ملكاً للشعب اليمني وحده.
• لا يحق لأي جهة تنفيذيّة أو سياسيّة التصرف بها خارج مظلة الموازنة العامة للدولة والمصادقة البرلمانية.
• تستوجب كشفاً فورياً وشفافاً عن حركة الإيداعات والسحوبات منذ تاريخ إنشاء الحساب.
تبديد المليارات.. نفقات بذخية لكبار المسؤولين والشعب يواجه المجاعة
وفقاً لمضامين البلاغ، فإن التقديرات والتقارير المالية تشير إلى أن إجمالي المبالغ التي تدفقت على حساب "جدة" بلغت مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية. وفي مفارقة صارخة، كشف البلاغ عن شبهات فساد خطيرة تشير إلى استغلال جزء كبير من هذه الثروة السيادية لتغطية النفقات الشخصية البذخية، وصرف امتيازات، وبدل سفر، ومخصصات خيالية بالعملة الصعبة لكبار مسؤولي الحكومة الشرعية المقيمين في الخارج، في الوقت الذي يعاني فيه المواطن في الداخل من مجاعة طاحنة، وانهيار تاريخي للعملة المحلية، وعجز تام عن دفع مرتبات الموظفين وتوفير الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه.
"إن حماية المال العام ليست ترفاً بل هي واجب دستوري وقانوني مقدس، والشفافية تقتضي إخضاع كافة الموارد السيادية، وفي مقدمتها مبيعات الذهب الأسود، للمساءلة الجنائية والإفصاح الكامل أمام الشعب"
— من نص البلاغ المقدم للنائب العام.
5 مطالب حاسمة على طاولة القضاء
ودعا البلاغ الحقوقي النائب العام إلى استخدام صلاحياته الدستورية والضرب بيد من حديد من خلال اتخاذ الإجراءات الصارمة التالية:
1. فتح تحقيق جنائي ومالي موسع: للوقوف على شرعية وجود هذا الحساب ومراجعة كافة عملياته الإدارية والمالية.
2. استدعاء وثائق البنك المركزي: إلزام إدارة البنك المركزي اليمني ووزارة النفط والمالية بتقديم قوائم البيانات والوثائق الرسمية للحساب منذ تأسيسه.
3. تدقيق حركة السحب والتحويل: حصر إجمالي الإيرادات النفطية المودعة، وتحديد هوية الجهات أو الشخصيات النافذة التي أصدرت أوامر الصرف والجهات المستفيدة منها.
4. تحديد المسؤولية القانونية: التحقيق في مدى قانونية أي نفقات أو هبات صُرفت للمسؤولين من هذا الحساب، وتكييفها قانونياً كجرائم "كسب غير مشروع" و"تبديد أموال عامة".
5. الملاحقة القضائية: إحالة كل من يثبت تورطه في التواطؤ أو تسهيل الاستيلاء على هذه الأموال السيادية إلى محكمة الأموال العامة لينالوا جزاءهم العادل.
احتقان شعبي وترقب لقرار النيابة
يأتي هذا البلاغ في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الشوارع اليمنية غلياناً غير مسبوق جراء تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية. ويرى مراقبون قانونيون أن هذا الملف يضع النيابة العامة والقضاء اليمني أمام اختبار حقيقي لإثبات استقلاليته وقدرته على محاسبة هوامير الفساد في أعلى هرم السلطة، وإعادة أموال الشعب المنهوبة إلى الخزينة العامة للدولة.