دعوهم يتظاهرون، يرقصون، يهتفون بحياة القائد المعجزة .. دعوهم يمارسون طقوسهم المعتادة في الساحات والشوارع.. سيتلاشون، وينكمشون، وفي نهاية المطاف سيفنون . الاختبار الحقيقي يكمن في ما يلمسه الناس من إجراءات نافعة، والاختبار الأسمى يظهر في ما ستقدمه السلطات الحكومية والمحلية الجديدة من خدمات حياتية ضرورية، حُرم منها السكان طيلة عشرة أعوام مضت .
الآن سيتذكرون أناشيد الرُبَّان، وسيظلون يدورون في حلقات راقصة حتى الإعياء، لا أحد منهم يكترث لمصيره في صباح الغد؛ المرتبات لا تعنيهم، الخدمات ليست ضرورة، والانفلات الأمني ليس همًا ، فالمهم لديهم أن يبقى صخبهم عاليًا وصوتهم مدويًا . أناس استولى عليهم هاجس الموت لا الحياة ، لطالما تغنوا بالموت في الميادين، وحفروا قبورهم بأيديهم، وحملوا أكفانهم على أكتافهم، لكنهم لا يموتون ولا يُقتلون ، فالذين يموتون هم أولئك الأبرياء والصادقون .
ثلاثة عقود ونصف ضاعت من عمرنا بسبب إخفاق وفشل من يفترض أنهم طليعة الأمة ونخبتها . ثلاثة عقود ونصف من يوم "التوحد" ، حيث لا وحدة بالقوة والدم تجسدت، ولا تجزئة تحققت بذاك المنطق الأرعن .
عقود نيفت الستة واليمنيون معلقون من رقابهم: لا شمال ولا جنوب ، لا يمن واحد ولا اثنان أو أربعة أو ستة .
الأصوات تعلو بموازاة مع رصاص البندقية ودانات المدفع ، فلا فصيل ولا مكون ولا حزب يمكنه سماع غير رجع صدى صوته، ولا أحد يطيق الآخر .
الامتحان الأصعب، الذي تأخر زمنًا طويلًا ، سيكون بحوار جاد لإنقاذ اليمن . الكل منهك، الكل متعب، الكل معني ، فوطننا بدأ يسترد عافيته بعد أن شارف على الفناء ، فمن يريد اللحاق بقاطرة الدولة اليمنية فليحدد موقفه ويعلنه ، ومن أراد البقاء فلا جريمة ولا جنحة عليه . العجلة تحركت اليوم، شاء من شاء أو أبى من أبى ، لا حياد ولا وسطية في المسائل الوطنية الكبرى ، ومن يريد أن يزحف فلا أحد سيعترضه ، ومن واجبنا احترام رغبته، وبالمثل ينبغي عليه ألا يضر أو يؤذي .
الذي ما زال رافضًا وممانعًا للتأقلم مع العهد الجديد، فلا ضير في ذلك، فهو حر في تفكيره وقناعته، شرط أن يحترم حق الآخر في التعبير عن ذاته وقناعته .
من يظن أن ترديد "إما استعدنا الكرامة أو متنا في الميادين" نشيدٌ خالدٌ لا يفنى ولا يزول، وأنه صالح لكل عصر وزمان ، فهو واهم ولا يفقه شيئًا في التاريخ أو السياسة أو الجغرافيا أو الثورة أو النضال أو الفن.
وفي النهاية، الأوطان لا تشيد بالشعارات والمزايدات ، وانما تُبنى بالاخلاص والعمل الجاد ، وبالحوار الشفاف والصادق وبعيدًا عن المصالح الأنانية الضيقة ، وبعيدًا عن الخطب والشعارات الساخطة غير المسؤولة أو التحشيد في الساحات وبلا ضابط أو غايات سياسية وطنية جمعية وعادلة . لقد طال بنا المقام في اللاحرب واللاسلم ، اللا وحدة واللاتجزئة ، اللادولة واللانظام ، وآن الأوان أن نفيق على حقيقة واحدة هي أن الأوطان لا تُصنع بالأكفان، وانما بإرادة قوية تصنع الحياة . فإما أن ننحاز إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب ، وما خربته الأهواء والخلافات الشخصية والفئوية وإن تزملت بجلباب الوطن والمواطنة ؛ أو نترك وطنا لعاصفة الفوضى كي تمحو ما بقي من آخر معالم الجسد اليمني المتعب .
العجلة دارت والقطار انطلق وأن كان ببطء ، فالمهم أنها تحركت ، ومعها تُكتب الآن مرحلة تاريخية مفصلية ، فمن امتلك الشجاعة التحق وشارك في صناعة القادم ومن تخلف أو خاف سيبقى خارج سياق المرحلة التاريخية الفاصلة ..