اتهمت أوساط تربوية وتعليمية يمنية عصابة الحوثي الإيرانية بالسعي إلى إنهاء ما تبقى من العملية التعليمية، بعد سنوات من التجريف الممنهج، وصولاً إلى إطلاق تقويم دراسي خاص يتضمن مناسبات طائفية وفعاليات للتعبئة والتجنيد للأطفال، في وقت يواصل فيه حرمان المعلمين والتربويين من حقوقهم المالية المكتسبة، بما في ذلك المرتبات والحوافز، وحتى المعونات المقدمة عبر ما يُسمى “صندوق دعم المعلم”.
وأثار إعلان عصابة الحوثي بدء العام الدراسي الجديد في 20 يونيو الجاري، وفق تقويمها الخاص المعتمد على التقويم الهجري، وما تضمنه من فعاليات ذات طابع طائفي وعسكري، موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط التربوية والاجتماعية، وسط اتهامات لها بمواصلة فرض سياسات تعليمية مثيرة للجدل تُفاقم معاناة الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين، وتزيد من حالة الارتباك التي يعيشها القطاع التعليمي في مناطق سيطرتها.
ويأتي هذا الجدل في وقت يواجه فيه قطاع التعليم في اليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب عشرات الآلاف من المعلمين منذ سنوات، وتراجع معدلات الالتحاق بالتعليم، إلى جانب ارتفاع نسب التسرب المدرسي نتيجة الظروف الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.
ويعيد إعلان الحوثيين موعد انطلاق العام الدراسي الجديد وفق التقويم الهجري إلى الواجهة حجم الأزمة المعيشية التي يعيشها التربويون والمعلمون، والتي بلغت حد الانهيار، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للجماعة، التي تُتهم بفرض مشروعها بالقوة على قطاع التعليم.
تحديات وأزمات
ويأتي الإعلان الحوثي عن عامهم الدراسي وفقا للتقويم الهجري، متزامنا مع عدم إعلان نتائج العام الدراسي السابق بالنسبة للشهادتين الأساسية والثانوية، والتي لم يحدد بعد مصير الطلاب الملتحقين في امتحانات نهاية العام الماضي في هذه الصفوف، وهو ما يفرض تحديات وأزمات على الأهالي والمعلمين.
وتصاعدت النقاشات التربوية مؤخرا حول التقويم الطائفي الذي تفرضه جماعة إيران بالقوة على قطاع التعليم، الأمر الذي لاقى انتقادات مشتركة من التربويين وأولياء الأمور، الذين يرون أن هذه الآلية تفرض تحديات إضافية على قطاع يعاني أصلا من أزمات متراكمة منذ سنوات. ويرى هؤلاء أن هذه الآلية وما تتضمنه من عمليات طائفية وتعبئة عسكرية سيكون لها انعكاسات اجتماعية وتعليمية ونفسية على الطلاب والتربويين والأهالي، كما ستؤثر على إمكانية الاستمرار في هذا التقويم في تحقيق الاستقرار في المواعيد الدراسية والإجازات السنوية، في ظل الفارق الزمني بين السنة الهجرية والميلادية.
وحسب عدد من التربويين، فإن تقديم موعد الدراسة تدريجيا من عام إلى آخر يؤدي إلى إرباك الخطط التعليمية للأسر والمدارس على حد سواء، إذ تتغير مواعيد الدراسة والاختبارات بصورة مستمرة، كما سيقود إلى انتقال الدراسة نحو أشهر الصيف التي تشهد درجات حرارة مرتفعة في العديد من المحافظات، إضافة إلى تزامنها في بعض المناطق مع مواسم الأمطار والسيول، وهو ما قد يؤثر على انتظام الحضور المدرسي، خاصة في المناطق الريفية والنائية.
أزمات مركبة
ما بين قدرة الأهالي على مواجهة متطلبات العام الدراسي، والحالة المعيشية التي يمرون بها نتيجة سياسات وإجراءات الجماعة في مناطق سيطرتها، واستحواذها على المرتبات والعمليات الاقتصادية والتجارية، وفرضها الضرائب والجمارك والإتاوات والجبايات التي أدت إلى ارتفاع أسعار السلع، ومنها المواد الدراسية.
ويؤكد أولياء أمور أن تقليص فترة الإجازة الصيفية عاما بعد آخر يضيف أعباء جديدة على الأسر التي تواجه أصلا تحديات اقتصادية متفاقمة، مشيرين إلى أن الاستعداد للعام الدراسي يتطلب توفير مستلزمات تعليمية في ظروف معيشية صعبة، الأمر الذي يجعل أي تغيير متكرر في المواعيد مصدر قلق إضافي.
ويأتي ذلك في ظل وضع تعليمي شبه منهار في مناطق الحوثيين، جراء ممارساتها وتجريفها للعملية التعليمية بهدف تجهيل المجتمع، لتمكين تمرير مشروعها وأجندتها الأيديولوجية، وما يتضمنه من مناسبات طائفية دخيلة على المجتمع اليمني.
تجاهل حل المشكلات الرئيسية
يعد قطاع التعليم من القطاعات التي استهدفت بشكل مباشر من قبل الحوثيين، سواء فيما يتعلق بالمنشآت كالمدارس والمراكز التعليمية، أو بالمعلمين الذين تم إقصاء عدد منهم واستبدال آخرين بعناصر غير مؤهلة ومنتمية إلى فئة العقائديين، إضافة إلى إسقاط أسماء المئات منهم عمدا بحجة عدم وجود مصادر تمويل لدفع مرتباتهم، فضلا عن تصنيف المعلمين والتربويين ضمن الفئة "ج" في قوائم المرتبات التي أقرتها الجماعة وفقا لنهجها الطائفي.
ويطالب عدد من التربويين جماعة الحوثي بالتركيز على معالجة المشكلات الأساسية التي تواجه التعليم، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتوفير الكتب المدرسية، وتحسين البيئة التعليمية، بدلا من الانشغال بإجراءات يرون أنها تزيد من تعقيد المشهد التربوي.
ويتهم تربويون وزارة التعليم التابعة للحوثيين بتجاهل الآثار السلبية لهذه السياسة، والتركيز على فرض التقويم الهجري في مختلف الأنشطة الإدارية والتعليمية، رغم المطالبات المتكررة بإعادة النظر في هذه الآلية واعتماد نظام أكثر استقرارا يتماشى مع المتطلبات التعليمية الحديثة.
ويحذر تربويون من أن استمرار تغيير مواعيد الدراسة بصورة متكررة قد ينعكس سلبا على جودة التعليم وعلى انتظام العملية التربوية، خصوصا في ظل وجود آلاف المعلمين المتطوعين الذين يعملون منذ سنوات دون تثبيت وظيفي أو ضمانات مهنية.
تكريس النهج الطائفي
وأدرجت عصابة الحوثي عشرات الفعاليات ذات الطابع الطائفي والعسكري والسياسي ضمن التقويم الزمني للأنشطة المدرسية للعام الدراسي الذي أعلنت عنه وفقا لتقويمها الطائفي، في خطوة تعكس استمرارها في فرض فكرها ونهجها الأيديولوجي داخل المدارس.
وشملت الفعاليات مناسبات مثل “ذكرى الصرخة”، و”المولد النبوي”، و”ذكرى الشهيد”، و”عملية طوفان الأقصى”، و”يوم القدس العالمي”، إلى جانب ذكرى مقتل مؤسس الجماعة حسين الحوثي ومولد فاطمة الزهراء وغيرها.
ويعد هذا التوجه امتدادًا لسياسات تتهم الجماعة من خلالها باستغلال المؤسسات التعليمية لترسيخ أفكارها وتعبئة الأجيال الناشئة وفق رؤيتها العقائدية والسياسية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثير ذلك على حيادية التعليم ومستقبل العملية التربوية.