يثير الجدل المتكرر حول المساعدات المالية الخارجية سؤالاً بسيطاً ومباشراً: هل هذه الأموال موجهة لدعم اقتصاد الجمهورية اليمنية ومؤسساتها وشعبها، أم أنها تندرج ضمن ترتيبات مالية وإدارية خاصة تخدم أطرافاً محددة؟
الواقع، كما يراه كثير من المتابعين، أن هذه الأموال غالباً ما تظل بعيدة عن خزينة الدولة المركزية، ولا تدخل ضمن خطط اقتصادية أو تنموية شاملة يستفيد منها المواطن اليمني في حياته اليومية. كما أنها لا تظهر في شكل مشاريع خدمات عامة، أو بنية تحتية، أو برامج دعم اجتماعي واسعة النطاق تشمل مختلف فئات الشعب المتضرر من الأزمات. ولذلك، يصبح من الصعب وصف هذه التدفقات المالية بأنها "منحة وطنية" بالمعنى المؤسسي المتعارف عليه.
ما يحدث عملياً هو أن قسماً كبيراً من هذه المخصصات يُوجه لتغطية رواتب ومستحقات شرائح محددة من الموظفين المرتبطين بترتيبات إدارية أو سياسية خارجية، تعمل تحت إشراف مباشر من جهات مانحة، بعيداً عن الرقابة الوطنية. وبالتالي، فإن المستفيد المباشر هم هؤلاء الأفراد، وليس المواطن الذي يواجه انهيار العملة، وتوقف الخدمات، والأزمات المعيشية المتفاقمة.
ومن هنا يبدو مثيراً للاستغراب أن يتحول الخطاب الإعلامي -لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي- إلى حالة من التمجيد لكل إعلان مالي، وكأن تلك الأموال قد وصلت إلى كل بيت يمني أو أسهمت في حل مشكلات البلاد المزمنة. إن الشكر والتقدير يكونان في محلهما عندما يلمس الشعب أثراً ملموساً على مستوى السيادة الوطنية والاستقرار الاقتصادي؛ أما حين يقتصر الأمر على فئة محدودة مرتبطة بمصالح جهات خارجية، فإن توصيف المشهد يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة والموضوعية.
إن الخلط المتعمد بين "الدعم الموجه للدولة" و"الدعم الموجه لأشخاص أو شبكات نفوذ" هو أحد أهم أسباب تضليل الرأي العام. فليست كل الأموال التي تُصرف باسم اليمن تصب بالضرورة في مصلحة اليمنيين جميعاً، وليست كل المبالغ التي يُحتفى بها إعلامياً تعني أن المواطن العادي قد تحسنت ظروف حياته.
لذلك، يجب أن يتركز النقاش الوطني حول سؤال جوهري: أين تذهب هذه الأموال؟ ومن هو المستفيد الفعلي منها؟ وعندما تتوفر الإجابة بشفافية، يصبح من السهل التمييز بين المنح الوطنية التي تبني الدول، وبين الترتيبات المالية التي تكرس التبعية وتخدم أفراداً أو جهات بعينها، مهما كانت التسميات التي تُستخدم لتسويقها.