أخبار محلية

اسرار | بالاسماء والتفاصيل- شح الدعم الإيراني يطلق يد الحوثيين: أكبر حملة (جبايات) تجتاح القطاع الخاص لتمويل آلة الحرب

اسرار سياسية- اسرار سياسية 22/06/2026 22:24 568 مشاهدة
اسرار | بالاسماء والتفاصيل- شح الدعم الإيراني يطلق يد الحوثيين: أكبر حملة (جبايات) تجتاح القطاع الخاص لتمويل آلة الحرب

صنعاء | تقرير 

تواجه ميليشيا الحوثي منعطفاً مالياً حرجاً دفعها إلى تدشين واحدة من أوسع وأعنف حملات "الإتاوات القسرية" منذ سنوات، مستهدفةً تجفيف ما تبقى من سيولة نقدية لدى القطاع الخاص في مناطق سيطرتها. وتأتي هذه التحركات الميدانية المكثفة، بحسب قراءات اقتصادية ومصادر مطلعة، كاستجابة اضطرارية ل تراجع وانقطاع الدعم المالي الإيراني المباشر، ومحاولةً لتوفير بدائل نقدية سريعة لتمويل جبهات القتال، والأنشطة التعبوية، والفعاليات الطائفية المتلاحقة.

الحملة التي انطلقت من العاصمة المختطفة صنعاء، سرعان ما امتدت كالنار في الهشيم لتشمل محافظات: إب، ذمار، الحديدة، عمران، حجة، وصعدة، وصولاً إلى الخطوط التماس والمناطق الخاضعة لسيطرتها في تعز، البيضاء، والجوف؛ لتتحول مناطق الكثافة السكانية إلى ساحة مفتوحة للاستنزاف المالي الممنهج.

هندسة الجبايات: قوائم سوداء وآليات ابتزاز تعجيزية

كشفت مصادر مطلعة وفقاً لـ "إرم نيوز" عن كواليس التخطيط لهذه الحملة، مشيرة إلى أن القيادة العليا للميليشيا أقرت في أواخر مايو/ أيار خطة استثنائية لتعبئة الموارد. وبناءً على ذلك، تم إعداد قوائم سوداء دقيقة ضمت:

• كبار المستوردين والشركات التجارية الكبرى.

• شركات الصرافة والمنشآت المالية.

• تجار الجملة ومحطات الوقود الحيوية.

• المنشآت التجارية ذات النشاط الأعلى منذ مطلع العام.

تحركت مكاتب الضرائب والسلطات المحلية التابعة للجماعة وفق هذه القوائم، حيث جرى إبلاغ أصحاب المنشآت بمبالغ مالية ضخمة فُرضت جزافاً، واعتمدت في تقديرها على مراجعة بيانات استيرادهم وسجلات مدفوعاتهم السابقة. ولم تترك الميليشيا مساحة للمناورة؛ إذ تعرضت الشركات التي أبدت اعتراضاً أو تباطأت في السداد للإغلاق الفوري وتجميد معاملاتها التجارية بالكامل.

الابتزاز المتعدد.. دفعتان في ثلاثة أسابيع

وفقاً للمصادر، فقد استبقت الميليشيا عيد الأضحى بحملة تحصيل واسعة تحت لافتة "دعم أنشطة المناسبة"، ولم يكد التجار يلتقطون أنفاسهم حتى باغتتهم الجماعة بموجة مطالبات ثانية بذريعة التحضير لما يسمى "يوم الولاية"، مما وضع القطاع الخاص أمام فاتورتين باهظتين في أقل من ثلاثة أسابيع.

وتجاوز العبث الحوثي الصياغات القانونية المعتادة؛ حيث تلقت كل منشأة إشعاراً منفرداً يحدد المبلغ والجهة القابضة دون وجود تعميم رسمي يوضح أسس الاحتساب. وفي رصد لأساليب الابتزاز، تبين أن بعض الشركات واجهت مطالبات متزامنة ومزدوجة من ثلاثة قنوات: (الضرائب، الزكاة، والسلطات المحلية)، فضلًا عن إجبارها على تقديم "دعم عيني" يشمل توفير مركبات، ووقود، ووجبات مجانية للمشاركين في الفعاليات الحوثية.

قنوات صرف غامضة: تنوعت وسائل الجباية بين الدفع النقدي لمندوبين يحملون تفويضات مختومة، أو التحويل عبر شبكات صرافة محددة، أو الإيداع في حسابات بنكية مبهمة لا تحمل أسماء أي جهات حكومية رسمية.

والأدهى من ذلك، أن التجار لا يمنحون مقابل هذه المبالغ أي إيصالات ضريبية قانونية؛ بل تُقيد كـ "مساهمات مجتمعية" أو "نفقات طارئة"، مما يعني أنها جبايات طفيلية لا تسقط عن المنشأة أي التزامات ضريبية أو زكوية لاحقة.

عقوبات بديلة: من التفتيش التعسفي إلى "الجمارك الداخلية"

في حال إصرار التاجر على الرفض، تمتلك الميليشيا ترسانة من الإجراءات الانتقامية الجاهزة، تبدأ برفع التقديرات الضريبية إلى أرقام فلكية، تحرير مخالفات سعرية كيدية، تعطيل المعاملات الجمركية، وصولاً إلى إرسال فرق تفتيش مسلحة للمخازن، وهو ما ترجم بالفعل إلى إغلاق مؤقت لعدد من المتاجر العريقة في صنعاء وإب.

وامتدت يد الجباية إلى المنافذ؛ حيث ترفض الفواتير الرسمية للمستوردين، وتتم إعادة تقييم الشحنات وفق قوائم سعرية مبالغ فيها تضعها لجان حوثية خاصة، مع إضافة تكاليف النقل والتأمين، والتركيز على رفع رسوم السلع القادمة عبر مينائي عدن والمكلا الشرعيين.

شبكة الجمارك الداخلية: وثقت دراسة ميدانية صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية تحول المعابر الحوثية المستحدثة بين المحافظات (عدن، مأرب، تعز، وصنعاء) إلى "مكوس جمركية داخلية" تفرض رسوماً جديدة على بضائع تم تخليصها جمركياً ومالياً في الموانئ الرسمية.

الأثر المالي: قدرت الدراسة إيرادات هذه الشبكة الجمركية البينية بنحو 90 إلى 120 مليار ريال يمني سنوياً (ما يعادل 6% إلى 8% من إجمالي الإيرادات المحلية للميليشيا).

التبعات على المواطن: تسببت هذه الإجراءات في قفزة مخيفة لتكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 25% و30%، وارتفاع أسعار السلع الأساسية للمواطنين بنسبة تتراوح بين 10% و15%.

احتكار قطاع الوقود وخنق المستقلين

ولم يسلم قطاع الطاقة من خطط السيطرة؛ فخلال شهري أبريل ويسان، أعادت الميليشيا هندسة حصص استيراد الوقود وتوزيعها حصرياً على شركات ووسطاء يتبعون قيادات حوثية نافذة، ومنحتهم امتيازات التفريغ والتخزين، مقابل خنق وتعطيل طلبات المستوردين المستقلين.

ويجبر المستورد المستقل على دفع إتاوات مركبة في كل مرحلة: (مقابل منح تصريح الشحنة، حجز مساحة التخزين، وتأمين النقل بين المحافظات)، ليتحول خط إمداد الوقود من الميناء إلى المستهلك إلى سلسلة من نقاط الجباية المربحة للجماعة.

كماشة حوثية وخطر الانهيار الاقتصادي

وفي ممارسة تترجم حجم التناقض والضغط، تكثف فرق الرقابة الحوثية النزول الميداني لمعاقبة المتاجر والصيدليات التي ترفع أسعارها، وهي الارتفاعات التي فرضتها الجبايات الحوثية أصلاً. هذا الأسلوب يضع التاجر اليمني بين فكي كماشة: إما دفع إتاوات باهظة عند الاستيراد، أو التعرض لغرامات وإغلاقات عند محاولة تعويض الخسائر عبر البيع.

تأتي هذه الهجمة الشرسة في توقيت اقتصادي شديد الحرج؛ حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى انكماش الاقتصاد اليمني بنسبة 1.5% خلال العام الماضي، مع توقعات بانكماش إضافي بنسبة 0.5% خلال العام الجاري، مدفوعاً بضعف القوة الشرائية وتراجع المساعدات الدولية.

تثبت الحملة الأخيرة أن الجبايات الحوثية لم تعد مجرد سلوك موسمي يرتبط بمناسبة طائفية، بل تحولت إلى استراتيجية اقتصادية بديلة ومنظمة ومستدامة. ومن خلال ربط بيانات الاستيراد والجمارك بمنظومة ابتزاز ملاحقة للسلعة من الميناء وحتى رفوف البيع، يواصل الحوثيون تحويل الاقتصاد اليمني إلى صراف آلي يغذي حربهم المستمرة، على حساب سحق القطاع الخاص وقوت المواطن اليمني البسيط.