عدن | تقرير خاص
تواجه العاصمة المؤقتة عدن فصلاً جديداً وقاسياً من فصول المعاناة؛ حيث تقف المدينة على أعتاب انهيار وشيك لخدمة الطاقة الكهربائية، بالتزامن مع قفزات قياسية في درجات الحرارة تجاوزت الـ 40 درجة مئوية. وبينما يعيش السكان في "محرقة الصيف"، تصاعدت التحذيرات الرسمية من دخول المدينة في موجة إطفاء غير مسبوقة قد تشل الحياة العامة تماماً.
"ساعتان من اللهيب".. تيار واهن يعمق مأساة الأحياء
في جولة ميدانية على أحياء عدن، رصدت مصادرنا شكاوى مريرة للمواطنين من تردٍّ تاريخي في الخدمة. ففي حي اللحوم الشرقي بمديرية دار سعد، يغرق الأهالي في ظلام دامس إثر تطبيق برنامج إطفاء جائر (ساعتا تشغيل فقط مقابل أكثر من 7 ساعات انقطاع). والصدمة الكبرى تكمن في أن التيار، خلال الساعتين اليتيمتين، يأتي ضعيفاً وواهناً إلى حد العجز عن تشغيل المراوح، أو المكيفات، أو حتى مضخات المياه، مما قطع الإمدادات عن خزانات المنازل.
وامتدت المأساة إلى حي الممدارة بمديرية الشيخ عثمان، حيث تحولت المنازل إلى غرف خانقة. وأطلق الأهالي استغاثات لإنقاذ كبار السن ومرضى الربو وضيق التنفس، في حين بدأت الأمراض الجلدية والتحسسية تنهش أجساد الأطفال والنساء نتيجة الحر الرطب المستمر.
البنية التحتية.. 15 عاماً بلا صيانة
وفي محاولة لتفسير لغز "ضعف التيار"، اعترف مصدر مسؤول في المؤسسة العامة للكهرباء بأن الأزمة أعمق من مجرد نقص وقود؛ مشيراً إلى أن شبكات التوزيع والنقل متهالكة ولم تخضع لأي صيانة شاملة منذ أكثر من 15 عاماً.
ناقوس خطر: حذر المصدر من أن هذا التهالك بات يشكل خطراً حقيقياً على حياة السكان، حيث تسبب في الآونة الأخيرة بماس كهربائي متكرر وحرائق في عدة مناطق، نتيجة الضغط الهائل والارتجال في الحلول الترقيعية طيلة السنوات الخمس الماضية.
حرب الوزارات: "الكهرباء" تحمّل "المالية" مسؤولية الانهيار الوشيك
وعلى الصعيد السياسي والإداري، انفجرت أزمة اتهامات علنية؛ حيث حمّلت وزارة الكهرباء والطاقة وزارة المالية المسؤولية المباشرة عن التدهور المتسارع. واتهمت وزارة الكهرباء "المالية" بالتعنت والاستمرار في عرقلة وصرف مستحقات موظفي قطاع "العقلة" النفطي، متمردةً على التوجيهات والإنذارات المتكررة الصادرة عن رئاسة الوزراء.
وأوضحت الوزارة أن هذا الحصار المالي يهدد بوقف فوري لإمدادات الوقود الخام إلى محطات التوليد، وفي مقدمتها "محطة الرئيس" الاستراتيجية، مما سيوجه رصاصة الرحمة لما تبقى من المنظومة الكهربائية.
لغة الأرقام الصادمة: عجز يتجاوز 85%
وتكشف المؤشرات الرقمية الصادرة عن غرفة عمليات الكهرباء عن كارثة حتمية خلال الأيام القادمة:
• الأحمال المطلوبة: تتجاوز 680 ميجاوات.
• القدرة التوليدية المتوقعة (مساءً): قد تهبط إلى 100 ميجاوات فقط في حال توقف الإمدادات.
• النتيجة: عجز مرعب يتجاوز 85%، مما سيفرض برنامجاً كارثياً قد لا يتعدى 3 ساعات تشغيل في اليوم الواحد.
أمام هذا المشهد القاتم، يجد سكان عدن أنفسهم ضحايا لبيروقراطية حكومية عاجزة وفشل مستدام، وسط تساؤلات حارقة: إلى متى تظل العاصمة المؤقتة رهينة الصفقات والحلول الترقيعية، بينما يكتوي مواطنوها بلهيب الصيف والخذلان؟