الأمم لا تضيع في يوم واحد. ولا تسقط الدول بضربة واحدة، ولا تتبدل خرائط الشعوب فجأة.ط، بل كل شيء يبدأ صغيرا من ظاهرة عابرة هنا وتجمع محدود هناك و أزمة مؤقتة يعتاد الناس على مشهدها حتى تصبح جزءا من حياتهم اليومية، ثم يكتشفون بعد سنوات أن ما ظنوه عابرا أصبح واقعا جديدا لا يملكون تغييره.
من هذه الزاوية يبدو ملف الهجرة الأفريقية إلى اليمن أكبر بكثير من مجرد قضية إنسانية، فاليمن الذي يعيش واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخه الحديث يستقبل عشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي كل عام. وفي الوقت الذي ينشغل فيه اليمنيون بالحرب والانقسام والبؤس الاقتصادي تتشكل على الأرض ظاهرة سكانية وأمنية وسياسية تستحق قراءة أعمق من مجرد عبارات التعاطف أو الرفض.
لا خلاف على أن الجانب الإنساني حاضر بقوة في هذه القضية، فالفقر واليأس يدفعان آلاف الأفارقة إلى المخاطرة بحياتهم لعبور البحر أملا في الوصول إلى الخليج. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البعد الإنساني إلى ستار يحجب بقية الأبعاد، فالدول لا تدار بالعواطف وحدها، والدول التي تفشل في إدارة حدودها ومجتمعاتها تدفع الثمن عاجلا أو آجلا.
المفارقة أن هؤلاء الوافدين لا يتجهون إلى دولة مستقرة تمتلك مؤسسات قوية وقوانين نافذة وقدرات استيعاب واضحة، بل يتدفقون إلى بلد يعيش حالة تفكك غير مسبوقة؛ بلد منقسم سياسيا وعسكريا؛ بلد يعاني انهيارا اقتصاديا وضعفا أمنيا وغيابا شبه كامل للرقابة على أجزاء واسعة من حدوده وسواحله.
في مثل هذه الظروف لا تعود الهجرة مجرد حركة انتقال أفراد من مكان إلى آخر، بل تتحول إلى قضية استراتيجية تمس الأمن القومي والتركيبة السكانية ومستقبل الدولة نفسها.
التاريخ السياسي يقدم درسا متكررا في هذا المجال، فالوجود المؤقت كثيرا ما يتحول إلى وجود دائم، والعابر قد يصبح مقيما، والتجمع قد يتحول إلى مجتمع، والمجتمع قد يتحول إلى قوة تفرض نفسها باعتبارها جزءا من الواقع الجديد.
لم يحدث هذا لأن الوافدين كانوا دائما يحملون مشروعا مسبقا، بل لأن الدولة كانت غائبة، ولأن الوقائع التي لم تعالج في بدايتها أصبحت لاحقا أكبر من قدرة الدولة على احتوائها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كم عدد الذين وصلوا اليوم، بل ماذا سيحدث بعد عقد او عقدين إذا استمرت التدفقات البشرية بالمعدلات نفسها في ظل غياب الدولة.
الأخطر أن الملف لا يقف عند حدود الأرقام السكانية، فمناطق العبور غير المنظمة تتحول في العادة إلى بيئات مثالية لنشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وحيث يوجد فراغ أمني تظهر أسواق السلاح والمخدرات وتجارة البشر والابتزاز والعصابات العابرة للحدود.
ومع مرور الوقت تنشأ مصالح اقتصادية كاملة تعيش على استمرار الفوضى، فيصبح وقفها أكثر صعوبة من منعها منذ البداية.
وإذا كان هذا هو الوجه الأمني للمسألة فإن الوجه السياسي لا يقل خطورة. فاليمن لا يقع في منطقة هامشية من العالم، بل يطل على باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الدولية، ومن يقرأ تاريخ المنطقة يدرك أن الصراع على باب المندب لم يتوقف يوما. لربما تغيرت الأسماء وتبدلت القوى لكن أهمية الموقع بقيت ثابتة.
وفي المناطق الاستراتيجية لا تنظر القوى الكبرى إلى التجمعات البشرية باعتبارها مجرد بشر. بل باعتبارها أوراق نفوذ محتملة يمكن استثمارها عند الحاجة.
ولو افترضنا نظريا أن هذه التدفقات البشرية ليست بريئة بالكامل أو أن أطرافا إقليمية أو دولية قررت استثمارها مستقبلا فإن السيناريو يصبح أكثر تعقيدا.
في البداية يكون الحديث عن مهاجرين.
ثم عن تجمعات بشرية.
ثم عن احتياجات إنسانية.
ثم عن منظمات تتحدث باسم هذه التجمعات.
ثم عن مطالب خاصة بها.
ثم عن ضرورة حمايتها.
ثم عن ضرورة تمثيلها.
ثم تصبح أي محاولة لتنظيم وجودها أو الحد منه قضية دولية تتداخل فيها الضغوط السياسية والإعلامية والحقوقية.
وعند هذه النقطة تكون الوقائع الجديدة قد ترسخت بالفعل.
التاريخ مليء بأمثلة مشابهة، فكم من مناطق بدأت بتجمعات بشرية محدودة وانتهت إلى نزاعات طويلة وصراعات على الأرض والهوية والسلطة.
ومن الزوايا التي تستحق التوقف أيضا وجود شريحة واسعة من المهمشين اليمنيين ذوي الأصول الأفريقية الذين يعيش معظمهم في ظروف صعبة منذ عقود طويلة.
هذه الشريحة ليست خطرا في حد ذاتها، بل هي ضحية للتهميش والإقصاء. لكن أي مجتمع يترك مئات الآلاف من أبنائه خارج التعليم والتنمية والاندماج يخلق بنفسه ثغرات يمكن استغلالها مستقبلا.
فالقوى السياسية والأمنية عبر التاريخ كانت تبحث دائما عن البيئات الأكثر فقرا والأشد شعورا بالحرمان لتوظيفها في مشاريعها المختلفة.
وكلما طال التهميش زادت قابلية هذه البيئات للاستقطاب.
وعندما ننظر إلى التاريخ اليمني نفسه نجد أن الذاكرة الجمعية لا تزال تحتفظ بقصة الوجود الحبشي في اليمن قبل قرون طويلة.
صحيح أن ظروف ذلك العصر تختلف جذريا عن ظروف اليوم. لكن التاريخ لا يدرس لأن الأحداث تتكرر حرفيا. بل لأن أنماط السلوك البشري تتكرر بأشكال مختلفة.
فالفراغ السياسي الذي يسمح بالتدخل الخارجي اليوم هو نفسه الفراغ الذي سمح به بالأمس. وضعف الدولة الذي يفتح الأبواب الآن هو نفسه العامل الذي فتحها في مراحل تاريخية سابقة.
ولا تتوقف المسألة عند الجغرافيا والسكان فقط.
فهناك بعد آخر يتعلق بالهوية والرواية التاريخية.
فبعض الأصوات في إثيوبيا تروج منذ سنوات لروايات تدعي أن حضارة سبأ ليست يمنية بل تعود إلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر.
وبغض النظر عن القيمة العلمية لهذه المزاعم فإن التاريخ يعلمنا أن الروايات الثقافية كثيرا ما تتحول إلى أدوات سياسية.
فالرواية تسبق المطالبة.
والمطالبة تسبق الصراع.
وما يبدأ باعتباره نقاشا تاريخيا قد يتحول في ظروف معينة إلى ورقة تستخدم لخدمة مشاريع سياسية أكبر.
لهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في المهاجر الأفريقي البسيط الذي يبحث عن لقمة العيش. كما لا يكمن في لون البشرة أو الأصل أو العرق.
الخطر الحقيقي يكمن في التقاء عدة عوامل في وقت واحد.
حدود رخوة.
ودولة ضعيفة.
وصراعات إقليمية محتدمة.
وتدفقات بشرية غير منظمة.
وشبكات تهريب عابرة للحدود.
وفئات مهمشة تعيش خارج التنمية.
عندما تجتمع هذه العناصر في مكان واحد فإنها تخلق بيئة مثالية للأزمات مهما كانت نوايا الأفراد.
ولهذا فإن القضية ليست قضية كراهية ولا عنصرية ولا عداء للأفارقة.
القضية هي قضية خطيرة يجب على الدولة او ماةتبقى منها أن تعرف من يدخل أراضيها ومن يقيم فيها وكيف يدار هذا الوجود بما يحفظ الأمن والاستقرار والسيادة.
فالأمم لا تخسر أوطانها لأنها تعرضت للخطر، بل لأنها تجاهلت الخطر حتى أصبح أكبر من قدرتها على التعامل معه.
وما يحتاجه اليمن اليوم ليس خطابا انفعاليا ولا شعارات عاطفية.
إنما تعالي على الجراح والوصول الى رؤية وطنية واضحة تضبط الحدود وتواجه شبكات التهريب وتمنع تحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للمشاريع الخارجية وتدمج المهمشين في المجتمع وتعيد للدولة قدرتها على إدارة أرضها وسكانها.
فحماية الحدود ليست قضية جغرافية فقط.
إنها قضية سيادة.
وقضية هوية.
وقضية مستقبل.