صنعاء | في خطوة تعكس عمق الارتباط الهيكلي والأيديولوجي بطهران، دشّنت الجماعة الحوثية تشكيلاً عسكرياً جديداً مستوحى بالكامل من نموذج قوات «الباسيج» الإيرانية. ويأتي هذا الجهاز الموازي، الذي أُطلق عليه اسم «قوات التعبئة»، كأحدث التقليعات العسكرية للجماعة منذ انقلابها على الدولة عام 2014، متزامناً مع تلويح مكثف باستئناف العمليات العسكرية ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذا التصعيد اللفظي والتحشيد الميداني ليس إلا "هروباً إلى الأمام" ومحاولة لتصدير الأزمات العميقة التي تضرب هيكلية الجماعة، والسيطرة على التصدعات الآخذة في الاتساع بين أجنحتها القيادية حول أولويات الإنفاق العسكري.
أزمة بنيوية وعزلة القيادة
يربط خبراء عسكريون بين إعلان «قوات التعبئة» والخطاب الأخير لزعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، الذي هدد فيه بالعودة إلى مربع الحرب تحت لافتة "انتزاع الحقوق والثروات"، وهو التوجه الذي سارع البرلمان الخاضع لسيطرة الجماعة في صنعاء لمباركته وتوفير غطاء سياسي له.
إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الجماعة تمر بمرحلة هي الأكثر تعقيداً على المستويين المالي والتنظيمي؛ حيث تعاني دوائرها المغلقة من "أزمة ثقة" حادة وتراجع لافت في كفاءة التنسيق الميداني. ويعود ذلك بشكل مباشر إلى الإجراءات الأمنية المشددة وعزلة القيادات العليا، التي فرضها عبد الملك الحوثي شخصياً عقب تصفية عدد من القادة العسكريين البارزين بغارات إسرائيلية العام الماضي.
ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن "بروتوكولات النجاة" الصارمة التي تتبعها القيادات الحوثية الحالية—والتي تشمل حظر الظهور العلني وتقييد الحركة والاتصالات—أدت إلى تباطؤ شديد في آلية اتخاذ القرار، وخلق فجوة عميقة بين القيادة المعزولة والقواعد الميدانية، مما فاقم من حالة التململ والتذمر.
تآكل الجبهات: رواتب مقطوعة وتفضيل طبقي
على الصعيد الميداني، كشفت تقارير محلية عن تنامي ظاهرة الهروب والتسرب من المعسكرات، والتخلف عن الالتحاق بجبهات القتال، مدفوعةً بأزمة مالية خانقة تعصف بالمقاتلين.
وتؤكد التقارير أن مستحقات المقاتلين في معظم الجبهات متوقفة منذ نحو أربعة أشهر، حيث عجزت الجماعة عن سداد المخصصات الشهرية الزهيدة التي لا تتجاوز 50 دولاراً للمقاتل، في حين استمرت في صرف مستحقات الوحدات العقائدية الخاصة و"المشرفين" بانتظام. هذا التمييز الطبقي داخل الصفوف فجّر موجة استياء غير مسبوقة وهدد تماسك الولاءات القتالية، رغم إصرار زعيم الجماعة على منح "مشاريع التطوير العسكري والتسليح" الأولوية المطلقة في الإنفاق على حساب القوت اليومي لعناصره.
أدلجة العواطف وتجنيد القُصّر
تأتي «قوات التعبئة» تتويجاً لعملية إعادة هيكلة جذرية نفذها الحوثيون على مدار العامين الماضيين، تم بموجبها تحويل ما كان يُعرف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة العامة»، لإحكام القبضة على المجتمع وتوسيع شبكات التجنيد القسري.
وقد استغلت الجماعة بذكاء الزخم العاطفي والشعبي اليمني المتضامن مع قطاع غزة جراء الحرب المستمرة هناك، لتوظيفه في خطوط إنتاج بشري جديدة، مستهدفةً المراهقين وصغار السن عبر مخيمات تعبوية وخطاب ديني مؤدلج.
ويجمع الخبراء على أن الجماعة تستعد لرمي هذا التشكيل العقائدي الجديد (الباسيج اليمني) في أتون أي جولة حرب قادمة ضد الحكومة الشرعية، سواء كوقود لخطوط النار الأمامية، أو كأداة قمع لوجستية وأمنية لضمان السيطرة المطلقة على مناطق نفوذها ومواجهة أي انتفاضة داخلية محتملة.