يواجه منتخب المغرب، بدعم شعبي واسع، تحديًا تاريخيًا لكسر هيمنة قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية على لقب كأس العالم، في سعي لترسيخ مبدأ عالمية اللعبة وتحقيق العدالة الرياضية.
تُسوق بطولة كأس العالم على أنها المحفل الأكبر لكرة القدم على مستوى الكرة الأرضية، إلا أن سجل البطولة الذي يمتد لما يقارب القرن يكشف عن واقع مختلف، حيث اقتصرت المنافسة على منتخبات قارتين فقط، أوروبا وأمريكا الجنوبية، اللتين تقاسمتا جميع الألقاب منذ النسخة الأولى عام 1930. هذا الاحتكار التاريخي يعكس تغلغل مراكز النفوذ التقليدية في اللعبة الأكثر شعبية عالميًا، مما يجعل من السعي لكسر هذه الحلقة المغلقة معركة شاملة ومعقدة.
على مدار 22 نسخة أقيمت حتى الآن، حصدت المنتخبات الأوروبية 12 لقبًا، بينما نالت منتخبات أمريكا الجنوبية 10 ألقاب. في المقابل، لم تتمكن قارات أخرى كإفريقيا، آسيا، أمريكا الشمالية، أو أوقيانوسيا من الوصول إلى المباراة النهائية، ناهيك عن الفوز باللقب. تعود هذه الهيمنة إلى عوامل متعددة، منها الاستقرار المالي والتفوق البنيوي، بالإضافة إلى رغبة مستميتة في الحفاظ على ريادة "المركز" مقابل "الأطراف"، مما جعل المنافسة أشبه بصراع إقطاعي.
لم يكن بقاء اللقب حكرًا على القارتين نتاج تفوق فني وتكتيكي دائم فحسب، بل كان في كثير من الأحيان نتيجة عوائق ومؤامرات وُضعت في طريق المنتخبات الطامحة من خارج هذه الدائرة الضيقة. شهد التاريخ محطات من التلاعب بالنتائج والتحكيم، كما حدث في "مؤامرة خيخون" عام 1982، حيث تآمر منتخبا ألمانيا الغربية والنمسا لإقصاء المنتخب الجزائري عمدًا، تحت أنظار الفيفا دون أي تحرك.
مع تطور الزمن، توسعت أساليب العرقلة لتشمل معركة ذهنية أشد شراسة تقودها الآلة الإعلامية الموجهة، والتي تعمل على تأطير منتخبات نخبوية وصناعة نجوم تجاريين لضمان تدفق المصالح المالية نحو المراكز التقليدية. في هذا السياق، يبرز المنتخب المغربي كحالة استثنائية، فهو ليس فقط أول منتخب إفريقي وعربي يتجاوز دور المجموعات عام 1986 ويتصدر مجموعته، بل أصبح أيضًا أول منتخب إفريقي وعربي يصل إلى المربع الذهبي في مونديال قطر 2022، محطمًا السقف الزجاجي ومثبتًا "الشخصية المونديالية" في النسخة الحالية بالتغلب على "المجموعة الحديدية".
إن تطلع الجماهير والخبراء إلى كسر الهيمنة التقليدية لا يقتصر على تتويج بطل جديد، بل يمتد إلى تنوع المشهد الكروي في الأدوار المتقدمة. هناك حاجة ملحة لمساندة حقيقية لكل الفرق والمنتخبات الصاعدة والطامحة من خارج الدائرة المغلقة للقارتين، لخلق لوحة فسيفسائية تمثل قارات الأرض كلها في أدوار الحسم، وتحويل المونديال من مسابقة تخدم مصالح محدودة إلى منصة حرة تتسع لثقافات العالم أجمع.
إن تحقيق المغرب للبطولة، أو وصول منتخبات صاعدة أخرى للأدوار النهائية، سيمثل انتصارًا حقيقيًا للعالم أجمع، لكل الشعوب التي تستثمر مشاعرها وشغفها في هذه البطولة على أمل تمثيل عادل لكوكب الأرض. هذا السيناريو يخدم الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) نفسه، حيث يفتح صفحة بيضاء في تاريخه، ويقدم دليلًا على أن شعار "عالمية اللعبة" ليس مجرد شعار تسويقي، بل هو واقع ملموس يثبت أن المستطيل الأخضر يتسع للجميع.