تشهد المنطقة مرحلة بالغة الحساسية تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع التوازنات الدولية، في ظل متغيرات متسارعة تشهدها العلاقات الأمريكية الإيرانية، وما يرافقها من محاولات لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق، برزت مؤشرات سياسية وإعلامية حول تفاهمات أولية بين واشنطن وطهران تمهد لجولة جديدة من المفاوضات المتعلقة بالملف النووي والعقوبات و غيرها، وسط آمال بأن يسهم أي تقدم في هذا المسار في تخفيف حدة التوتر في عدد من بؤر الصراع الإقليمي واهمها مضيق هرمز و الاذرع الايرانيه و في مقدمتها الذراع الحوثي في اليمن وحزب الله في لبنان.
ورغم أن تفاصيل هذه التفاهمات لا تزال محل تباين بين الأطراف المختلفة، فإن معظم المؤشرات تفيد بأن الملفات المتعلقة بالنفوذ الإقليمي الإيراني ودعم الجماعات المسلحة لم تُحسم بصورة نهائية، وإنما أُرجئت إلى مراحل تفاوضية لاحقة، ومن ثم، فإن الربط المباشر بين أي تفاهمات دولية وبين تغير سلوك الفاعلين المحليين يظل بحاجة إلى قدر كبير من الحذر، لأن التجارب السابقة أظهرت أن الاتفاقات بين القوى الكبرى لا تنعكس بالضرورة بصورة تلقائية على ساحات الصراع المحلية.
وفي هذا الإطار، تبدو تصريحات المبعوث الأممي إلى اليمن بشأن وجود "نافذة فرصة" لاستئناف العملية السياسية تعبيراً عن رغبة المجتمع الدولي في استثمار أي انفراج إقليمي لدفع الأطراف اليمنية نحو التسوية. غير أن نجاح هذه الفرصة سيظل مرهوناً بمدى قدرة القوى الدولية والإقليمية على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية تؤثر في سلوك الأطراف المتحاربة وتعيد بناء الثقة بينها.
وفي المقابل، تواجه هذه التفاهمات تحديات سياسية واضحة، سواء بسبب الانقسام داخل الولايات المتحدة بشأن جدوى الانفتاح على إيران، أو نتيجة التحفظات الإسرائيلية على أي اتفاق لا يتضمن معالجة واضحة للبرنامج الصاروخي الإيراني وشبكة الحلفاء الإقليميين. كما أن استمرار الغموض بشأن آليات التنفيذ والرقابة يجعل من المبكر البناء على نتائج حاسمة، ويزيد من احتمالات استمرار حالة السيولة السياسية في المنطقة.
وفي ظل هذه البيئة المعقدة، جاء التصعيد الأخير لميليشيا الحوثي ليعيد طرح تساؤلات جوهرية حول دوافعه وتوقيته. فهل يعكس هذا التصعيد توجهاً إيرانياً يرمي إلى الاحتفاظ بأوراق ضغط إضافية خلال مرحلة التفاوض؟ أم أنه يعبر عن حسابات مستقلة للجماعة تسعى من خلالها إلى إعادة تثبيت موقعها داخل المشهد الإقليمي قبل استقرار ملامح التوازنات الجديدة؟ أم أنه يجمع بين البعدين معاً؟
قراءة في التوقيت... بين رسائل التموضع ورهانات البقاء
يصعب الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين أي تفاهمات أمريكية ـ إيرانية وبين التصعيد الحوثي، إلا أن تزامن الحدثين يدفع إلى قراءة سياسية أوسع. فمن المرجح أن الجماعة تسعى إلى إرسال رسائل متعددة الاتجاهات، تؤكد من خلالها أنها ما تزال لاعباً مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي، وأن أي ترتيبات مستقبلية تخص اليمن أو البحر الأحمر لا يمكن أن تتجاوز دورها أو تتعامل معها باعتبارها مجرد طرف محلي.
كما يمكن فهم هذا التصعيد باعتباره محاولة لتحسين الموقع التفاوضي للجماعة في مرحلة تشهد إعادة ترتيب للعلاقات الإقليمية، خاصة مع استمرار الاتصالات السعودية الإيرانية الرامية إلى تثبيت مسار التهدئة. ومن ثم، قد يكون التصعيد رسالة موجهة إلى الرياض أيضاً، مفادها أن أي تسوية مستقبلية ينبغي أن تراعي مطالب الجماعة السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومن زاوية أخرى، قد يمثل التصعيد اختباراً عملياً لقدرة إيران على التأثير في سلوك حلفائها إذا ما دخلت مرحلة تفاهمات أكثر عمقاً مع الولايات المتحدة. فإذا كانت طهران قادرة على ضبط إيقاع حلفائها، فإن ذلك سيعزز موقعها التفاوضي، أما إذا أظهرت الجماعات المرتبطة بها قدراً كبيراً من الاستقلالية، فقد يصبح تنفيذ أي تفاهمات إقليمية أكثر تعقيداً.
ولا يبتعد هذا السلوك عن أنماط شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين، إذ غالباً ما تتزامن موجات التصعيد مع مراحل التفاوض الكبرى، حيث تحاول القوى غير الحكومية تحسين مواقعها السياسية والعسكرية قبل استقرار التفاهمات الدولية، بما يضمن عدم تجاوز مصالحها في أي تسوية قادمة.
الأبعاد الداخلية... التصعيد كأداة لإدارة الأزمات
ورغم أهمية العامل الإقليمي، فإن تفسير التصعيد من خلاله وحده لا يقدم صورة مكتملة، فالجماعة تواجه في الداخل تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تتمثل في تدهور الأوضاع المعيشية، واتساع رقعة الفقر، واستمرار تراجع الخدمات الأساسية، وتصاعد حالة السخط الشعبي الناتجة عن سنوات الحرب الطويلة.
حيث تشير تجارب العديد من الصراعات في العالم إلى أن الجماعات المسلحة تلجأ، في فترات الضغوط الداخلية، إلى تصعيد الخطاب الخارجي وإبراز التهديدات الأمنية بهدف إعادة تعبئة قواعدها الاجتماعية، وتحويل الاهتمام الشعبي من الأزمات الاقتصادية إلى قضايا الصراع الإقليمي. ويبدو أن هذا النمط حاضر بدرجات متفاوتة في الحالة اليمنية، حيث يترافق الخطاب العسكري مع أوضاع إنسانية بالغة التعقيد.
كما أن استمرار تجميد الجبهات العسكرية لم ينهِ آثار الحرب، بل أدى إلى استنزاف اقتصادي طويل الأمد انعكس على مختلف القطاعات، بما في ذلك التعليم والصحة وفرص العمل وعدم صرف الرواتب وغيره من الخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل معالجة التحديات الداخلية أكثر إلحاحاً من توسيع دوائر الصراع خارج الحدود اليمنية.
و في ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن التصعيد العسكري يخدم فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة، بل إنه يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد اليمني والإقليمي، فكلما اتسعت دائرة العمليات العسكرية، ازدادت صعوبة بناء الثقة بين الأطراف، وتراجعت فرص استئناف المفاوضات على أسس واقعية، خاصة في ظل استمرار انعدام الثقة وتباين أولويات الفاعلين المحليين والإقليميين.
كما أن استمرار استهداف خطوط الملاحة الدولية أو توسيع نطاق المواجهات في البحر الأحمر يحمل مخاطر تتجاوز الساحة اليمنية، إذ ينعكس على أمن التجارة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي، الأمر الذي يدفع القوى الكبرى إلى تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من التصعيد يصعب التحكم في مساراتها.
ومن الناحية السياسية، فإن أي تصعيد غير محسوب قد يضعف قدرة الجماعة على تقديم نفسها طرفاً سياسياً يمكن أن يشارك في تسوية شاملة، خصوصاً إذا اقترن ذلك بتزايد الضغوط الدولية والإقليمية. وفي المقابل، فإن استمرار غياب رؤية يمنية جامعة لمعالجة جذور الأزمة يمنح مختلف الأطراف مساحة للاستمرار في توظيف الصراع بما يخدم حساباتها الخاصة.
وعليه نجد ان مستقبل المشهد اليمني يراوح بين التسويات والاحتمالات المفتوحة للتصعيد و الحرب بدرجات مختلفة
حيث تشير القراءة الموضوعية إلى أن مستقبل الأزمة اليمنية سيظل مرتبطاً بمسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بمآلات التفاهمات الإقليمية والدولية، ولا سيما طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، ومدى استعداد الأطراف الإقليمية لتحويل التهدئة إلى ترتيبات أكثر استدامة والدور السعودي الذي يعرف ان امن واستقرار اليمن مرتبط بأمن واستقرار المملكة.
أما المسار الثاني، فيرتبط بقدرة اليمنيين أنفسهم على إنتاج مقاربة سياسية شاملة تعالج جذور الصراع، وتؤسس لشراكة وطنية تستند إلى مؤسسات الدولة وسيادة القانون والقرارات الدولية ذات الصلة و اهمها القرار الأممي 2216 و مخرجات مؤتمر الحوار الوطني.
ومن غير المرجح أن تؤدي هذه التحولات الإقليمية، مهما بلغت أهميتها، إلى إنهاء الأزمة اليمنية بصورة تلقائية، ما لم تتوافر إرادة داخلية حقيقية لإنهاء الحرب، وتغليب المصالح الوطنية على رهانات القوة والسلاح، فالتجارب المقارنة في مختلف مناطق الصراع في العالم تؤكد أن التسويات الخارجية قد تهيئ البيئة المناسبة للحل، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التوافق الوطني الحقيقي وليس مجرد نهدئة دون حل لجذر المشكلة الحقيقية و هي الدولة الاتحادية والمواطنة المتساوية.
و من خلال كل ما ذكرنا اعلاه نجد إن التصعيد الحوثي الأخير لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج خليط من العوامل الداخلية و الخارجية بتفاعل معقد بين اعتبارات داخلية تتصل بإدارة الأزمات وتعزيز التماسك الداخلي، وحسابات إقليمية ترتبط بإعادة التموضع في ظل المتغيرات الجارية، فضلاً عن تأثير البيئة الدولية التي تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى ومجالات النفوذ.
ومن ثم، فإن التعامل مع هذا التصعيد يستدعي قراءة شاملة تتجاوز التفسيرات الأحادية، وتضع في الاعتبار تداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، كما أن نجاح أي مسار سياسي مستقبلي سيظل مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على تحويل لحظة التهدئة المحتملة إلى فرصة حقيقية لبناء سلام دائم، يعيد لليمن استقراره، ويضع حداً لدورة الصراع التي أنهكت الدولة والمجتمع على حد سواء.
ومما سبق فهناك احتمالات للتصعيد في البحر الأحمر وباب المندب
وهي من بين السيناريوهات التي لا يمكن استبعادها، في حال استمرار حالة التوتر الإقليمي أو تعثر مسارات التهدئة، لجوء ميليشيا الحوثي إلى توسيع نطاق عملياتها باستهداف سفن الشحن التجاري وناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب او حتى استهداف ميناء ينبع السعودي، وقد تنظر الجماعة إلى مثل هذه العمليات بوصفها وسيلة لرفع كلفة المواجهة على خصومها، وإبراز قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، بما يمنحها ورقة ضغط إضافية في أي ترتيبات أو مفاوضات إقليمية او دولية قادمة.
غير أن مثل هذا التصعيد، إن حدث، لن تقتصر تداعياته على أطراف الصراع في اليمن، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية، من خلال زيادة تكاليف التأمين والشحن، واحتمال اضطرار شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها نحو طرق بحرية أطول وأكثر كلفة، كما أنه قد يدفع إلى تعزيز الوجود العسكري الدولي في المنطقة، ويوسع نطاق الردود العسكرية، بما يزيد من احتمالات انزلاق الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة وتعقيداً، ويؤخر فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، و مع ذلك، فإن تحقق هذا السيناريو سيظل مرتبطاً بجملة من العوامل، في مقدمتها طبيعة التطورات الإقليمية، ومستوى الضغوط التي قد تتعرض لها الجماعة، ومدى ارتباط قراراتها العسكرية بحساباتها الذاتية أو بتطورات المشهد الإقليمي الأوسع. ولذلك، فإن هذا الاحتمال يظل أحد السيناريوهات الممكنة، وليس نتيجة حتمية، بما يفرض على صناع القرار الاستعداد له دون الجزم بوقوعه.
أكاديمي ومحلل سياسي