شهدت مدينة تعز خلال الفترات الأخيرة تدفقاً كبيراً للمواطنين والزوار القادمين من مختلف المحافظات اليمنية، عقب سنوات طويلة من الحصار المعيشي والجغرافي القاسي. هذا الانتعاش الإنساني والاجتماعي، الذي كان يُفترض أن يكون رافداً اقتصادياً وسياحياً يعيد للمدينة حيويتها، استحال سريعاً إلى عبء ثقيل ومصدر شكوى مستمرة لآلاف الزوار والمغتربين.
فبمجرد وصول الزائر إلى قلب المدينة، يصطدم بواقع مرير يفرضه قطاع الفندقة والإيواء، حيث تحولت رحلة البحث عن سكن مؤقت إلى رحلة استنزاف مالي ونفسي واسعة النطاق، وسط اتهامات متزايدة لملاك الفنادق بممارسة الجشع والاستغلال الممنهج لحاجة الناس، مستغلين غياب القوانين الرادعة وضعف أداء الأجهزة التابعة للسلطة المحلية.
شارعا التحرير في عين العاصفة السعرية
يعد شارع التحرير، بشقيه الأعلى والأسفل، المركز العصبي لحركة زوار تعز، حيث يضم مجموعة من المنشآت الفندقية القديمة والحديثة، التي يُفترض أن تمثل واجهة الضيافة والترحيب للمدينة، باتت مسرحاً لشكاوى يومية لا تنقطع من قِبل النزلاء.
وتلقت وكالة خبر شكاوى من مواطنين حول هذه الفنادق ورداءة الخدمات وسوء المعاملة والاستغلال المالي للنزلاء، وتتوزع المعاناة بين الفنادق الواقعة في التحرير الأعلى وتلك الممتدة في التحرير الأسفل، حيث تفرض تسعيرات خيالية تتجاوز قيمة الإقامة في فنادق ذات تصنيف عالٍ في مدن أخرى.
غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذه المبالغ الطائلة لا يعود ريعها على تحسين البنية التحتية للمنشأة، بل تذهب كأرباح صافية للملاك، بينما يُترك الزائر لمواجهة غرف متهالكة، انقطاع متواصل للمياه والكهرباء، وانعدام تام للنظافة والصيانة الأساسية.
أزمة الكادر
لا تتوقف المعاناة في فنادق التحرير الأعلى والأسفل عند رداءة المرفق وغلاء السعر، بل تمتد لتشمل المعضلة الأكبر والمتمثلة في الكادر البشري المشغل لهذه الفنادق.
ويشكو النزلاء من وجود موظفين وعاملين غير مؤهلين بتاتاً لإدارة شؤون الاستقبال أو تقديم الخدمات الفندقية، إذ يفتقر معظمهم لأبسط مفاهيم وقواعد الضيافة والتعامل اللبق مع الجمهور.
ويغيب عن هؤلاء الموظفين الفهم الأساسي لكيفية التعامل مع الحجوزات، أو حل مشكلات النزلاء بمرونة، أو حتى الحفاظ على خصوصية وراحة النزيل. ويتحول أسلوب التخاطب في كثير من الأحيان من طابع ترحيبي مهني إلى التعامل الفض واللامبالاة، مما يؤكد غياب الدورات التدريبية المتخصصة في الاستقبال، والخدمات، والإدارة الفندقية، والاعتماد بدلاً من ذلك على عمالة عشوائية غير مدربة تبحث فقط عن تحصيل المبالغ المالية دون الاكتراث لسمعة المنشأة.
غطاء التبريرات الواهية
في المقابل، يدافع ملاك الفنادق وإداراتها عن هذه الإجراءات عبر رمي الكرة في مرمى الأزمات الاقتصادية العامة التي تعيشها المدينة.
ويتحجج المستثمرون في هذا القطاع بالارتفاع المستمر لأسعار المشتقات النفطية، والتي ترفع من تكلفة تشغيل المولدات الكهربائية الخاصة لتغطية العجز الفادح في الطاقة الحكومية.
كما يشيرون إلى التكلفة العالية لشراء صهاريج المياه نتيجة الشح الحاد في شبكة المياه العامة بمدينة تعز، بالإضافة إلى الضرائب والجبايات والرسوم المحلية المفروضة عليهم.
ومع ذلك، يؤكد مراقبون واقتصاديون أن هذه المبررات، وإن كانت تحتوي على جزء من الواقع، إلا أنها تُستغل بشكل مبالغ فيه لتحقيق هوامش أرباح فاحشة وضخمة على حساب المواطنين البسطاء والزوار المنهكين، خاصة عند استغلال المواسم والأعياد لرفع الأسعار بشكل تصاعدي وجنوني.
صمت مكاتب السياحة والرقابة المحلية يشرعن الفوضى
يرى مهتمون بالشأن المحلي في تعز أن جذر هذه المشكلة يعود مباشرة إلى الغياب الكامل للجهات الحكومية والرقابية المعنية بقطاع السياحة والمنشآت الفندقية، وفي مقدمتها مكتب السياحة بالمحافظة والأجهزة الرقابية التابعة للمجلس المحلي.
ولم تتدخل السلطة المحلية لفرض لوائح سعرية صارمة تربط كلفة الليلة الواحدة بمستوى وجودة الخدمة الفندقية المقدمة وتأهيل الكادر المشغل لها، وأبدى مواطنون تعجبهم من حالة الصمت والتجاهل التي تبديها هذه الجهات أمام سيل الشكاوى اليومية التي تضج بها منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية.
هذا الصمت المطبق حوّل الفنادق إلى جزر مستقلة تضع قوانينها الخاصة وتتلاعب بالأسعار والمواسم دون خوف من عقوبة قانونية، أو سحب للتراخيص، أو فرض غرامات مالية رادعة، مما يسهم بشكل مباشر في استمرار هذا الانفلات وتكريس حالة الابتزاز التي يتعرض لها الزوار والمغتربون على حد سواء.