أخبار محلية

يحدث في اليمن | تفكيك أسرار الدولة أمام الكاميرات: انتقادات حادة لظهور رئيس الأمن القومي السابق في (بودكاست) إخواني.. والاستخبارات لا تتقاعد عن الصمت

اسرار سياسية- اسرار سياسية 03/07/2026 01:04 1,644 مشاهدة
يحدث في اليمن | تفكيك أسرار الدولة أمام الكاميرات: انتقادات حادة لظهور رئيس الأمن القومي السابق في (بودكاست) إخواني.. والاستخبارات لا تتقاعد عن الصمت

صنعاء / عدن | متابعات خاصة:

أثار الظهور الإعلامي الأخير لرئيس جهاز الأمن القومي اليمني الأسبق، اللواء علي حسين الأحمدي، في برنامج "اليمن بودكاست"، موجة عارمة من الانتقادات السياسية والإعلامية والمهنية. واعتبر مراقبون وكُتّاب أن هذا الظهور لا يمثل مجرد سرد لذكريات سياسية، بل يُعد مؤشراً خطيراً على حالة السيولة والانهيار التي طالت الذاكرة المؤسسية للدولة اليمنية، وتحول "رجال الظل" إلى أدوات في معركة إعادة صياغة الرواية الوطنية وتبرير الفشل التاريخي.

وفي هذا السياق، شنّ الكاتب والصحفي اليمني أنس الخليدي هجوماً نقدياً لاذعاً على المقابلة، مفككاً أبعادها من زوايا سياسية واستخباراتية ومهنية صلبة، ومحذراً من تداعيات تحول كواليس الأمن القومي إلى مادة للاستهلاك الإعلامي العام.

الهروب من المشنقة إلى المنصات: غياب المحاسبة يشرعن "هندسة الذاكرة"

يرى الخليدي في قراءته للمقابلة أن ما يشهده اليمن اليوم هو امتداد طبيعي لمسار انهيار لم يخضع أقطابه للمساءلة؛ حيث أفلتت القيادات التي شاركت في صناعة الأزمة أو تسببت في سقوط العاصمة صنعاء عام 2014 من العقاب القانوني والتاريخي.

ويشير الكاتب إلى أن غياب المحاسبة طال رؤوساً كبيرة:

مؤسسة الرئاسة السابقة: ممثلة بالرئيس السابق عبدربه منصور هادي، جراء ما وُصف بـ"التفريط في سيادة البلاد".

حزب الإصلاح (تنظيم الإخوان): لتسببه في تخريب مؤسسات الدولة وتسليم مفاصلها الحيوية للمشروع الإيراني وأداته الحوثية.

القيادات الأمنية الرفيعة: وفي مقدمتها علي حسين الأحمدي، المسؤول الأول عن الفشل الاستخباراتي الكارثي الذي سبق واكب اجتياح صنعاء.

النتيجة الحتمية: يؤكد الخليدي أن هذا العجز عن إرساء مبدأ المحاسبة فتح الباب على مصراعيه أمام رجالات تلك الحقبة للعودة عبر الشاشات، ليس للاعتذار، بل لإعادة هندسة الذاكرة الجماعية لليمنيين، وتوزيع صكوك المسؤولية والاتهامات بما يخدم روايتهم الخاصة ويغسل تاريخهم الإداري والأمني.

مهنياً واستخباراتياً: "رجل الأمن لا يتقاعد عن الصمت"

من منظور عقائدي عسكري، فكك الخليدي الأخطاء المهنية الفادحة التي سقط فيها رئيس الأمن القومي الأسبق، موضحاً أن العقيدة الأمنية في الدول التي تحترم مؤسساتها تقوم على ركيزة أن رجل الاستخبارات لا يتقاعد عن الصمت كما يتقاعد عن المنصب؛ فالأسرار التي حاز عليها هي ملكية سيادية للدولة وليست مذكرات شخصية.

ويستشهد الخليدي بأعتى أجهزة الاستخبارات العالمية (مثل بريطانيا، والولايات المتحدة، وإسرائيل)، حيث يظل رؤساؤها السابقون محاطين بسياج من الغموض والأثير السري حتى وفاتهم، باعتبار الأجهزة الأمنية خط الدفاع الأخير عن كيان الدولة الذي يجب ألا يُخترق إعلامياً.

السقوط في فخ الأجندة: رئيس أمن قومي ضيفاً في "مربع الحزب"

ولم يغفل الكاتب التوقيت والمنصة التي اختارها الأحمدي للظهور؛ حيث اعتبر اختيار برنامج "اليمن بودكاست" - المحسوب صراحة على توجهات تنظيم الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) - سقطة سياسية إضافية.

فالحوار هنا خرج من سياقه التوثيقي المحايد ليتحول إلى أداة لخدمة أجندة طرف سياسي كان هو نفسه جزءاً أصيلاً من الصراع والانهيار. وبذلك، تحول رئيس جهاز الأمن القومي السابق من "حارس لأسرار الجمهورية" إلى ضيف يساهم في صياغة رواية حزبية ضيقة وموجهة.

خسارة استراتيجية: الدول لا تُبنى بـ "البودكاست"

واختتم الخليدي قراءته بالتحذير من الخسائر الاستراتيجية التي تتكبدها الدولة جراء استمرار هذه الظاهرة؛ فاستعراض كواليس غرف العمليات المغلقة أمام الكاميرات يقدم لخصوم اليمن (وعلى رأسهم جماعة الحوثي الإرهابية والنظام الإيراني) معلومات مجانية كان يفترض أن تبقى طي الكتمان والصيانة.

إن الدول الحية لا تبني أمنها القومي عبر الفضائيات ومنصات البودكاست الرقمية، بل من خلال مؤسسات وطنية راسخة، تحمي أسرارها، وتصون هيبتها، وتدرك أن صمت رجالها هو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي واستقرار حاضرها ومستقبلها.