آخر الأخبار
فورد تتراجع عن الأتمتة وتستعين بخبرات بشرية لإنقاذ إنتاجها   •   اسرار | بالاسماء والتفاصيل- تنديد حقوقي واسع ومطالبات بالإفراج عن منسقة المفوضية السامية لحقوق الإنسان المختطفة لدى الحوثيين   •   استنفار حوثي واسع في الجوف.. تعزيزات عسكرية ونشر نقاط تفتيش مع اشتعال الغضب القبلي   •   بدء اجتماعات الحكومة وبعثة صندوق النقد الدولي لمناقشة برنامج المراقبة من قبل خبراء الصندوق   •   فضل الجعدي: السلطات تتعامل باستخفاف مع مطالب المواطنين   •   اسرار | بالتفاصيل- تفجيرات واسعة وتمشيط بالمروحيات.. إسرائيل تصعّد عملياتها الميدانية في جنوب لبنان والبقاع   •   ناجي مسيح: الجوف تستحق تمثيلًا يليق بمواقف أبنائها.. واستمرار تغييب كوادرها لا ينسجم مع العدالة   •   مصادر: عشرات الجثث لقتلى مليشيا الحوثي لا تزال ملقية في جبهة دُباس   •   حرب شاملة على مافيا الأدوية.. تعميم حكومي بحملات تفتيش مفاجئة وإغلاق المنشآت المخالفة   •   اسرار دولية | رئيس الأركان الإسرائيلي من جنوب لبنان: (الشقيف) تحت سيطرتنا |   •  
أخبار محلية

مهندسو الفوضى في قصور الشتات.. كيف مهدت تحالفات الساحات الطريق للانقلاب الحوثي؟

مهندسو الفوضى في قصور الشتات.. كيف مهدت تحالفات الساحات الطريق للانقلاب الحوثي؟

بينما يعيش ملايين اليمنيين تحت وطأة أسوأ أزمة إنسانية واقتصادية في التاريخ المعاصر، تطل عبر شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي وجوه مألوفة من مقار إقامتها الفاخرة في عواصم المنفى. هؤلاء، الذين قادوا وتصدروا مشهد الاحتجاجات والاعتصامات في عام 2011، ما زالوا حتى اليوم يصرون على تسمية ذاك المنعطف التاريخي بالثورة والوعي والتغيير.

غير أن لغة الواقع على الأرض، وشواهد الهدم الممنهج لمؤسسات الدولة، والشرخ العميق الذي أصاب النظام الجمهوري، تكشف عن بون شاسع بين خطابات التبشير بالدولة المدنية وبين الحصاد المر المتمثل في الانهيار الشامل، مما جعل الشارع اليمني يتأكد ويرى بأم عينه تلك الحقبة بأنها لم تكن سوى مخطط فوضى مكتمل الأركان قاد البلاد إلى حافة الهاوية.

 قادة الميدان من غرف المنفى وفصام الخطاب المعزول

يتجلى الانفصام السياسي في أبهى صوره عندما يقارن المواطن اليمني بين حاله اليوم وحال مهندسي فوضى 2011. فالقيادات الحزبية، والناشطون الحقوقيون، والجنرالات الذين أعلنوا انشقاقهم في لحظة فارقة، غادروا البلاد تباعاً مع أولى رصاصات الحرب التي تسببوا في إشعال فتيلها. ومن عواصم الشتات، يستمر هؤلاء في إعادة تدوير ذات الخطاب المستهلك، محتفلين بتلك النكبة وكأنهم أنجزوا لليمنيين دولة رفاهية.

 هذا الخطاب المنفصل عن الواقع يثير سخطاً شعبياً واسعاً، فالشارع الذي جاع وتشرد يرى في إصرار هؤلاء على تسمية الدمار ثورة محاولة بائسة لغسل أيديهم من المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن تفتيت كيان الدولة الوطنية ومؤسساتها الدستورية.

هندسة الفوضى وتفكيك المؤسسة العسكرية واختراق السيادة

لم تكن تلك الأحداث مجرد حراك شبابي عفوي لطلب إصلاحات معيشية، بل تحولت سريعاً إلى أداة لضرب عمود الخيمة اليمنية المتمثل في المؤسسة العسكرية والأمنية.

وتحت لافتة حماية المعتصمين، انقسمت القوات المسلحة اليمنية عمودياً مع انشقاق قيادات عسكرية وازنة وخروجها عن شرعية الدولة وتوجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة حينها.

 هذا الانقسام أدى مباشرة إلى تدمير منظومة الردع وتحول المعسكرات في العاصمة صنعاء ومدن أخرى إلى ساحات حرب شوارع مفتوحة.

 كما أسفر ذلك المنعطف عن تسرب السلاح الثقيل والمتوسط خارج نطاق السيطرة الرسمية للدولة، وكُسرت هيبة الجندي والأمن، وصار رجل الأمن هدفاً للاعتداءات والتحريض الإعلامي الممنهج، مما مهد الطريق لظهور الجماعات المسلحة كبديل للأجهزة الرسمية.

التحالفات النفعية المتناقضة 

يكشف التمعن في تركيبة المشهد القيادي لتلك الحقبة عن تجمع قوى متناقضة جذرياً، لم يجمعها مشروع وطني موحد بل هدف مشترك وحيد وهو إسقاط النظام السياسي والدستوري. وقد تصدر هذا المشهد تنظيم الإخوان باليمن، حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي وفر القاعدة البشرية والتنظيمية والتمويلية الأكبر للاعتصامات، ساعياً للوصول إلى السلطة مستغلاً موجة الاضطرابات الإقليمية. وتلاقت هذه الرغبة مع تحركات مراكز القوى القبلية والعسكرية التقليدية التي رأت في الحراك فرصة لتصفية حسابات قديمة وتثبيت نفوذها ومصالحها الاقتصادية والسياسية التي بدأت الدولة بمحاولة تحجيمها. والأنكى من ذلك كان دخول الجماعات العقائدية والميليشياوية، وعلى رأسها مليشيا الحوثي، التي منحتها ساحات الاعتصام في صنعاء وتعز صك غفران سياسي، وسمحت لها بالخروج من كهوف صعدة إلى قلب العاصمة لتبني خيامها وتتغلغل في النسيج المدني تحت غطاء الشباب المستقل، لينهار هذا التحالف الهش فور توقيع المبادرة الخليجية وتبدأ مرحلة الصراع البيني المحموم.

 اغتيال الشرعية وضرب رأس الدولة 

بلغت المؤامرة ذروتها في الثالث من يونيو 2011، عندما استهدفت يد الغدر والخيانة قيادة الدولة اليمنية بأكملها في جريمة تفجير جامع دار الرئاسة أثناء تأديتهم لصلاة الجمعة. 

هذا الحادث كان محاولة لاغتيال الرئيس علي عبد الله صالح، ومحاولة واضحة لتصفية قادة السلطات التشريعية والتنفيذية والأمنية دفعة واحدة، بمن فيهم رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشورى وعدد من رجالات الدولة الأوفياء الذين قضوا نحبهم لاحقاً متأثرين بجراحهم.

كان هذا التفجير الإرهابي إعلاناً صريحاً من قوى الفوضى بأنها مستعدة لإحراق الدولة وتفجير السلم الأهلي والدخول في حرب أهلية شاملة من أجل الاستيلاء على الكرسي، وهو ما صدم المجتمع الدولي حينها وأثبت زيف شعارات السلمية والوعي التي كانوا يتشدقون بها.

 السقوط الكبير 

إن النظام الجمهوري، الذي تعمد بدماء شهداء ثورتي 26 سبتمبر و14  أكتوبر، تلقى طعنته الغادرة من النتائج المباشرة لأحداث فوضى 2011. فإضعاف مركز الدولة في العاصمة صنعاء، وإنهاك الجيش والأمن في معارك جانبية وحروب استنزاف داخلية، وفر البيئة النموذجية للمليشيا الحوثية لتنفيذ مخططها الانقلابي. وفي سبتمبر من عام 2014، اقتحمت الميليشيا الحوثية العاصمة صنعاء مستغلة حالة الترهل السياسي والأمني التي خلفتها مرحلة ما بعد فبراير. وانقلبت الميليشيا على ما تبقى من مؤسسات، واحتلت الوزارات، وصادرت السلاح السيادي للجيش، وبدأت في تجريف الهوية الوطنية اليمنية واستبدالها بالهوية الطائفية المستوردة، مما يثبت أن المشروع الإمامي لم يكن لينجح لولا أن قادة الفوضى مهدوا له الطريق وكسروا هيبة الدولة وفرقوا شمل قواها الحية.

 فاتورة إنسانية باهظة 

خلف الستار المصقول لخطابات المنفى، تعيش العائلات اليمنية واقعاً مأساوياً يترجم الفاتورة الحقيقية لشعارات التغيير الزائفة. فالواقع المعيشي اليوم يشهد انهياراً شبه كامل لشبكات الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، وخروج المنشآت الطبية والتعليمية عن الخدمة. ترافق ذلك مع انهيار اقتصادي حاد وفقدان العملة الوطنية لقيمتها الشرائية، مما أدى إلى غلاء فاحش غير مسبوق وانقطاع مرتبات الموظفين الحكوميين لسنوات طويلة. هذا الوضع الكارثي حول ملايين اليمنيين إلى نازحين داخل وطنهم أو لاجئين مشتتين في دول العالم بعد أن كانوا يعيشون بأمن واستقرار في ديارهم، وتصدر اليمن مؤشرات الأزمات الإنسانية العالمية مع انتشار المجاعة وتفشي الأوبئة والأمراض التي كان قد أُعلن القضاء عليها سابقاً في ظل الدولة المستقرة.

 وعي الشارع الحقيقي ومسؤولية التاريخ في كشف الحقائق

في المحصلة، يتضح للعيان أن الكذبة التي يحاول قادة ومنظرو أحداث 2011 استمرار تسويقها لم تعد تنطلي على أحد من أبناء الشعب. لقد غسل الشارع اليمني أوهامه بدموع الأمهات، ومعاناة النازحين في المخيمات، وجوع الأطفال في القرى والمدن.

والوعي الحقيقي الذي يتشكل اليوم في وجدان اليمنيين هو الوعي بقيمة الدولة، وبأهمية الحفاظ على النظام الجمهوري والمؤسسات الوطنية، وإدراك أن الهدم أسهل بكثير من البناء. 

إن من بشروا بالجنة الأرضية من على منصات الساحات لم يورثوا شعبهم سوى الجحيم، بينما اختاروا هم العيش في رغد المنافي والقصور، تاركين خلفهم وطناً مثخناً بالجراح يبحث عن طريق للنجاة واستعادة كيانه المسلوب وهويته الجمهورية العربية الخالصة.