متابعات استراتيجية | خاص
في خطوة تُدشّن مرحلة جديدة من المواجهة الجيوسياسية في جنوب شبه الجزيرة العربية، وضعت إيران والمليشيا الحوثية التفاهمات الإقليمية ومساعي السلام على حافة الانهيار، عقب إعادة فتح خط جوي مباشر بين طهران وصنعاء. خطوةٌ يراها مراقبون عسكريون تجاوزاً فجّاً للبعد الإنساني، وإعلاناً إيرانياً صريحاً عن إنشاء "ممر لوجستي" عابر للحدود، يستهدف تسريع نقل الخبراء، والتقنيات العسكرية الحساسة، وقطع الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية إلى العمق اليمني.
"ماهان إير" في صنعاء: عودة ذكريات "انقلاب 2015"
شهد مطار صنعاء الدولي حدثاً أمنياً بارزاً بتهدج عجلات طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" (Mahan Air) الإيرانية على مدرجه، في أول رحلة علنية ومباشرة منذ سنوات. الطائرة التي مكثت ساعات قليلة، غادرت الأجواء اليمنية وعلى متنها وفود قيادية حوثية رفيعة المستوى متجهة إلى طهران، تحت غطاء المشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي.
وفيما أكدت المليشيا الحوثية أن الرحلة نقلت أكثر من 200 راكب، أعلنت تبجّحاً عن تدشين "جسر جوي مستدام" بين صنعاء وطهران، متوعدة بمواصلة هذه الرحلات "مهما كانت التداعيات والأثمان".
مخاوف "الغطاء المدني" والشركات المدرجة على قوائم الإرهاب
يرى محللون عسكريون أن هذه الخطوة تعيد الأذهان حرفياً إلى السيناريو الذي سبَق انطلاق عمليات التحالف العربي عام 2015، حين كثفت طهران رحلاتها الجوية لترسيخ سلطة الانقلاب وتكديس السلاح. ومما يضاعف التوجس الدولي هو اختيار شركة "ماهان إير" تحديداً؛ وهي الشركة المصنفة على قوائم العقوبات الأمريكية لارتباطها العضوي بـ "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، وتاريخها الحافل بنقل المقاتلين والعتاد الحربي إلى بؤر الصراع في سوريا والمنطقة.
التوقيت الجيوسياسي: طهران تبحث عن "متنفس" عبر باب المندب
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن ديناميكيات الصراع الإقليمي؛ فبعد الضربات الموجعة التي تلقتها شبكة النفوذ الإيراني في عدة ساحات بالشرق الأوسط، سارعت طهران إلى تحريك "الورقة اليمنية" لإثبات حضورها. ومن خلال هذا الجسر الجوي، تبعث إيران برسالة مشفرة للمجتمع الدولي مفادها أن البحر الأحمر ومضيق باب المندب سيبقيان تحت هيمنتها غير المباشرة وقدرتها على الضغط والمساومة.
انتفاضة سياسية في عدن: الشرعية تحذر من "تهديد السلم الدولي"
في المقابل، قوبل الاختراق الإيراني بانتفاضة سياسية رسمية في العاصمة المؤقتة عدن؛ إذ عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعاً استثنائياً طارئاً، وصف خلاله هذه الرحلات بأنها:
• انتهاك صارخ لسيادة الجمهورية اليمنية واستقلال أراضيها.
• تحدٍ سافر للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، وتحديداً القرار 2216.
• تكريس للهيمنة المليشاوية على المقدرات السيادية وتوظيفها لخدمة المشروع التوسعي الفارسي.
وحمّل المجلس طهران والمليشيا الحوثية التبعات الكارثية لهذا السلوك الاستفزازي، محذراً من أن تحويل الأجواء اليمنية إلى ممر إيراني مفتوح يهدد الأمن الإقليمي والدولي، ويقوض جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة والمملكة العربية السعودية.
طبول الحرب تقرع: تهديدات حوثية ورد حازم من التحالف
ولم يتوقف المشهد عند المناكفات السياسية، بل سرعان ما تحول إلى نذر مواجهة عسكرية؛ إذ خرج المتحدث العسكري للمليشيا الحوثية مهدداً باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية في عمق المملكة العربية السعودية، زاعماً أن مقاتلات حربية (تابعة للتحالف) حاولت اعتراض الطائرة الإيرانية ومنعها من الهبوط في صنعاء.
هذا الوعيد الحوثي جابهه تحالف دعم الشرعية برفع درجة الجاهزية القتالية إلى حدها الأقصى، مؤكداً في بيان شديد اللهجة أنه سيتعامل مع أي اعتداء أو مساس بأمن المملكة وسيادة اليمن "بكل حزم وبقوة غير مسبوقة"، معتبراً التهديدات الحوثية امتداداً لطبيعتها العدائية المهددة للملاحة الدولية.
الأرقام تكشف المستور: دمج الإنساني بالعسكري
تُظهر البيانات المفتوحة المصدر والمراقبة الجوية لـ شهر يونيو 2026 حركة طيران مكثفة ومريبة في مطار صنعاء؛ حيث هبطت عشرات الطائرات بمختلف الأحجام تحت لافتة "العمل الإنساني والمنظمات الدولية". غير أن فتح الخط المباشر مع طهران يعزز الاتهامات الحكومية بتحويل المطار إلى "قاعدة لوجستية متقدمة" للحرس الثوري، يُعاد عبرها صياغة معادلة الصراع بعيداً عن أعين الرقابة البحرية التي أحبطت سابقاً مئات شحنات الأسلحة في عرض البحر.
المفارقة الصادمة: "كسر الحصار" أم "ابتزاز الشعب"؟
بينما تسوّق الآلة الإعلامية للحوثيين أن الخط الجوي يأتي لـ "كسر الحصار الجائر"، تبرز على الأرض مفارقة إنسانية صارخة؛ فالأرقام والوقائع تؤكد أن المطار ظل لسنوات ممرًا آمنًا ومريحًا لتنقل قيادات الجماعة وعائلاتهم والخبراء الأجانب، بينما يرزح ملايين المواطنين اليمنيين تحت وطأة المعاناة اليومية، ويتجرعون مرارة السفر البري الشاق والخطير نتيجة حصار المليشيا الإجرامي للمدن، وإغلاق الطرق الرئيسية بين المحافظات (مثل تعز ومأرب)، ليبقى الملف الإنساني مجرد ورقة ابتزاز سياسي بيد جماعة توظف المنشآت المدنية لخدمة مشروعها العسكري الطائفي.