ما زالت حديقة الثورة، إحدى أبرز المتنفسات في العاصمة المختطفة صنعاء، تتعرض لعملية تحطيب يومية ممنهجة طالت معظم أشجارها، لصالح أصحاب الأفران والمخابز الذين وجدوا في أخشابها بديلاً رخيصاً عن الديزل والغاز.
وأفادت مصادر محلية بأن مجموعات من العمال يدخلون الحديقة يومياً في ساعات متأخرة، ويقومون بقطع الأشجار المعمرة وتقطيعها ونقلها على متن شاحنات صغيرة إلى الأحياء المجاورة وبيعها على أصحاب المخابز.
وأكدت المصادر أن هذه العمليات تتم بعلم ومباركة مشرفين حوثيين على الحديقة، مقابل إتاوات مالية يدفعها أصحاب الأفران لتسهيل دخولهم الحديقة وتقطيع الأشجار بواسطة مناشير كهربائية، دون اعتراضهم.
ويقول زوار الحديقة إن ما كان بالأمس متنفساً للعائلات ومتنزهاً للأطفال تحول اليوم إلى مشهد قاتم. فالأشجار التي كانت توفر الظل والهواء النقي يتم اقتلاعها من جذورها، فيما تنتشر بقايا الأغصان والحفر في أرجاء الحديقة.
وأضاف أحد المواطنين: "كنا نأتي إلى الحديقة للتنفس قليلاً من ضجيج المدينة، واليوم ندخل ونشم رائحة القطع والحرق، والأطفال يسألون: أين ذهبت الأشجار؟".
وأضافت المصادر أن استمرار التحطيب بهذه الوتيرة سيفقد حديقة الثورة قيمتها البيئية والترفيهية بالكامل، وسيحولها خلال أشهر إلى مساحة جرداء خالية من أي غطاء نباتي، بعد أن كانت لعقود رئة العاصمة ومتنفساً لعشرات الآلاف من سكان صنعاء.
ولم تقتصر الظاهرة على حديقة الثورة فقط، بل امتدت إلى عدد من المتنزهات والمساحات الخضراء في مديريات أمانة العاصمة والمحافظات الأخرى. ويأتي هذا التحطيب الجائر في ظل ارتفاع جنوني لأسعار الديزل والغاز المنزلي، ما دفع مئات الأفران والمخابز إلى العودة لاستخدام الحطب كوقود رئيسي لتشغيل الأفران وتخفيض التكاليف.
ويحذر مختصون بيئيون من أن قطع الأشجار بهذا الشكل العشوائي سينعكس سلباً على المناخ المحلي في صنعاء، وسيزيد من حدة الغبار والعواصف الترابية، ويؤدي إلى اختلال التوازن البيئي وارتفاع درجات الحرارة داخل المدينة. كما أن إزالة الغطاء النباتي ستفاقم مشكلة السيول وتآكل التربة، خاصة مع اقتراب موسم الأمطار.
وطالب ناشطون وبيئيون بالتدخل العاجل لحماية ما تبقى من أشجار حديقة الثورة وبقية المتنفسات العامة، ومحاسبة المتورطين في تسهيل عمليات التحطيب، وتوفير بدائل طاقة مدعومة لأصحاب الأفران حتى لا تتحول العاصمة إلى كتلة إسمنتية بلا ظل ولا خضرة.
ويشير المراقبون إلى أن الصمت الحوثي وتجاهل الشكاوى المتكررة من المواطنين يشجعان على استمرار هذه الجريمة البيئية، في وقت يفترض فيه أن تكون حماية المساحات الخضراء أولوية في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والبيئية.