آخر الأخبار
محافظ أبين يكرّم المهندس الشاب أمعبد سليم الريدي بفوزه بالمركز الأول والجائزة الذهبية في مؤتمر الابتكار بجامعة تعز   •   محافظ أبين يكرّم المهندس الشاب أمعبد سليم الريدي بفوزه بالمركز الأول والجائزة الذهبية في مؤتمر الابتكار بجامعة تعز   •   وكيل محافظة مأرب يطّلع على خطط تدخلات منظمة إكسبت اليابانية ومشاريعها المنفذة بالمحافظة   •   وكيل محافظة مأرب يطّلع على خطط تدخلات منظمة إكسبت اليابانية ومشاريعها المنفذة بالمحافظة   •   بعد تعافيه من الإدمان.. الفنان أحمد جلال عبد القوي يكشف إصابته بالسرطان   •   الريال في زمن الشرعية.. 100 ألف لم تعد تكفي سوى ليوم واحد بعد أن كانت تعيل أسرة لشهر كامل   •   صفحات النجوم تتحول إلى ساحة عزاء بالأمير الراحل حمد بن خليفة آل ثاني   •   حملة حوثية تحاصر منزل أحد أبناء القبائل في عمران وسط تهديد بتفجيره   •   عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي يعزي في وفاة الشيخ محمد روكان   •   بدء صرف مرتبات المبعدين للدفاع والداخلية لشهر مايو   •  
أخبار محلية

17 يوليو.. الخروج من مخاض الأزمات إلى فضاء التوافق وبناء الدولة

المنتصف نت- المنتصف نت 12/07/2026 18:04 363 مشاهدة
17 يوليو.. الخروج من مخاض الأزمات إلى فضاء التوافق وبناء الدولة

لا يمكن قياس أهمية السابع عشر من يوليو 1978 في الواقع السياسي اليمني بوصفه محطة اعتلى فيها الرئيس الراحل علي عبدالله صالح سدة الحكم فحسب، بل لأنه شكّل بداية مرحلة فارقة نقلت البلاد، بصورة سلسة، من مربع الاضطرابات والصراعات الدامية إلى مسار وطني قام على التوافق، وإرساء نواة مؤسسات الدولة، وتوسيع قاعدة الشراكة السياسية في الحكم.

لقد جاءت القيادة الجديدة في خضم ظروف بالغة التعقيد، كانت فيها الجمهورية العربية اليمنية تواجه مخاطر وجودية، تمثلت في موجة اغتيالات سياسية طالت قيادات الصف الأول للدولة، وخيّم شبح الانقلابات على المشهد، بالتزامن مع هشاشة المؤسسات الناشئة، الأمر الذي أوجد تحديات ومخاطر أمنية واقتصادية واجتماعية جسيمة.

ناهيك عن غياب العمل الحزبي، الذي كان محظوراً وفقاً للدستور، وممارسته بصورة سرية وسط استقطابات حادة، في ظل انقسام البلاد إلى شطرين، تتنازعهما أيديولوجيات متباينة وحسابات سياسية معقدة، ارتبطت بالمتغيرات الإقليمية والدولية.

وفي خضم هذا المخاض، والصراعات البينية والشطرية شمالاً وجنوباً، كان لا بد من الخروج من هذه الحالة غير الصحية في واقع مأزوم، وبرز السؤال الأهم: كيف يمكن حماية الدولة من الانهيار ومنع انزلاقها نحو الفوضى؟

لقد أدركت القيادة السياسية آنذاك أنه لا يمكن فرض الاستقرار بالقوة، لأن القوة قد تفرض الهدوء مؤقتاً، لكنها لا تصنع سلاماً مستداماً، وأن بناء الدولة الحديثة يتطلب بالضرورة كسر العزلة، واحتواء مختلف المكونات، والانتقال من عقلية الإقصاء إلى نهج الحوار.

ومن هذا المنطلق، شكّلت المصالحة الوطنية خياراً استراتيجياً حتمياً، نجح في نزع فتيل الانقسامات، وأتاح للقوى الاجتماعية والسياسية دوراً أوسع في إدارة الشأن العام، مما وفر مناخاً مواتياً للاستقرار والانطلاق نحو المستقبل.

وتتويجاً لهذا التوجه، جاء تأسيس المؤتمر الشعبي العام عام 1982 إطاراً سياسياً وطنياً جامعاً، وواحداً من أهم الصيغ الوطنية التي استوعبت مختلف التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، ووفر مظلة علنية للحوار في زمن الحظر الحزبي. وصاحب ذلك صياغة الميثاق الوطني، الذي مثّل وثيقة فكرية وسياسية نوعية أرست المبادئ العامة للدولة، وطُرح للنقاش الشعبي الواسع، بما أتاح مشاركة المجتمع في رسم الرؤية الوطنية المعاصرة.

وقد أثمرت مرحلة التوافق تلك، وما تلاها، نهضة تنموية شاملة لامست حياة المواطن اليمني؛ إذ شهدت البلاد قفزة غير مسبوقة في قطاع التعليم من خلال تشييد آلاف المدارس، وتأسيس الجامعات الحكومية والخاصة في مختلف المحافظات، بعد أن كان التعليم الجامعي يقتصر على عدد محدود من الكليات في جامعتي صنعاء وعدن.

كما شهد القطاع الصحي تطوراً ملموساً من خلال توسيع شبكة المستشفيات والمراكز الطبية في الريف والحضر، فضلاً عن ثورة في البنية التحتية ربطت المدن اليمنية بشبكة من الطرق الحديثة والاتصالات والموانئ والمطارات والمنشآت الحيوية. وإضافة إلى ذلك، جاء استخراج النفط وتصديره في منتصف الثمانينيات ليشكل ركيزة اقتصادية مهمة رفدت الموازنة العامة للدولة، وأسهمت في دعم خطط التنمية.

وتُوِّجت هذه المسيرة السياسية والتنموية بالمنجز الأبرز في تاريخ اليمن المعاصر، وهو إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990، ليلتئم شطرا الوطن، وتتسع آفاق التنمية والديمقراطية والتعددية السياسية.

وبعيداً عن تباين القراءات وتقييم تلك الحقبة، يبقى من الثابت، في القراءة المنصفة، أن الحوار والتوافق تحولا خلال تلك السنوات إلى أداتين رئيستين لإدارة الأزمات، وأن سياسة الاحتواء والانفتاح نجحت في كبح جماح الصراعات الداخلية، ووفرت لليمن قدراً من الاستقرار الذي كان بأمسّ الحاجة إليه، لتدور عجلة التنمية والبناء المؤسسي.

إن استدعاء محطة السابع عشر من يوليو والتحولات التي تلتها اليوم ليس مجرد غوص في ذاكرة الماضي أو تباكٍ على أطلال منجزاته، بل هو استلهام واعٍ لقيمة التوافق في اللحظة الراهنة التي يعيشها اليمن.

ففي ظل الواقع المعقد والأزمات المتلاحقة التي كادت تأتي على مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية وتماسكها الاجتماعي، يجد اليمنيون أنفسهم أمام الحقيقة التاريخية ذاتها: أن الانفراد والإقصاء لا يصنعان استقراراً، وأن الحروب والصراعات لا تبني وطناً.

إن قراءة تجربة الأمس تؤكد أن المخرج الحقيقي لليمن من واقعه الحالي يكمن في إعلاء قيم الحوار والمصالحة الوطنية الشاملة، والالتفاف حول منجزات الهوية الوطنية الجامعة، وفي مقدمتها الوحدة اليمنية، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، حتى تستعيد البلاد عافيتها، وتبدأ مسيرة إعادة الإعمار، وتعود عجلة التنمية والتعليم والبناء إلى الدوران من جديد.