تعز | متابعات خاصة
بين مطرقة الحصار الخارجي المفروض عليها وسندان فوضى الخدمات والبيئة في الداخل، تئن مدينة تعز تحت وطأة "حصار من نوع آخر"؛ كابوس مرعب تفرضه جحافل الكلاب الضالة والمسعورة التي باتت تحتل الشوارع وتستوطن المقابر، ناشرة الرعب وناقلة للموت السريع.
وفي صرخة تحذيرية جديدة، كشف الصحفي محرم الحاج في تقرير استقصائي نشرته "وحدة الرصد"، اليوم الإثنين، عن تفاقم مأساوي لهذه الأزمة البيئية والإنسانية، مؤكداً أن الأحياء السكنية ومراكز المديريات باتت رهينة لحظر تجوال غير معلن تفرضه هذه الحيوانات الشاردة، وسط شلل رسمي تام وعجز حكومي عن وضع حد لهذه الكارثة المتدحرجة.
عضة قاتلة تفجّر الغضب الشعبي
لم تعد المخاوف مجرد هواجس لدى الأهالي، بل تحولت إلى فاجعة حقيقية هزت وجدان أبناء تعز اليوم الإثنين، عقب إعلان وفاة طفل متأثراً بإصابته بعضة كلب مسعور (داء الكلب). هذه الحادثة الأليمة كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر الصبر الشعبي، وفجرت موجة غضب عارمة وسخطاً واسعاً في أوساط الناشطين والأهالي الذين وجهوا أصابع الاتهام مباشرة إلى السلطة المحلية بقيادة المحافظ نبيل شمسان، معتبرين الصمت المستمر "استهتاراً صارخاً بأرواح الطفولة البريئة".
وينقل التقرير لسان حال المواطن منير سعيد، الذي يعبر عن عمق المأساة قائلاً: "لقد حُرمنا من الأمان حتى في أبسط تفاصيل حياتنا اليومية. لم نعد نجرؤ على إرسال أطفالنا إلى المدارس بمفردهم، والذهاب للمساجد أو قضاء الحاجيات الأساسية بات مغامرة غير مأمونة العواقب. نباح الكلاب المسعورة الذي يملأ ليالي المدينة يزرع الهلع في قلوب الصغار ويحرم العائلات النوم. هذه ليست مجرد حيوانات شاردة، بل هي قنابل بيولوجية موقوتة تحمل داء الكلب الفتاك وتتكاثر بمتوالية هندسية مرعبة".
تبريرات واهية ومسؤوليات ضائعة
وفي كشف مثير للجدل حول أسباب استمرار هذه الأزمة ومراوحتها، نقل التقرير عن عضو في المجلس المحلي أن القضية طُرحت مراراً وتكراراً على طاولة إدارة "صندوق النظافة والتحسين"، إلا أن قيادة الصندوق تملصت من مسؤولياتها القانونية تحت مبرر عدم توفر "السموم والمبيدات الفعالة" لمكافحة الكلاب، مدعية أن هذه المواد الكيميائية محصورة ومحتكرة في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي.
هذا المبرر واجه استهجاناً ورفضاً شعبياً لاذعاً؛ إذ اعتبره المواطنون ونشطاء المجتمع المدني ضرباً من "الإهمال الجسيم والتهرب غير المبرر من المسؤولية"؛ متسائلين كيف تعجز سلطة محلية بكامل إمكانياتها عن توفير حلول بديلة لحماية حياة أطفالها من وباء قاتل.
طبياً: الفيروس القاتل يتربص بالجميع
من المنظور الطبي، يقرع الأطباء نواقيس الخطر؛ حيث حذر الدكتور نجيب الصبري من التهاون مع هجمات الكلاب. وأوضح الصبري أن "داء الكلب" (Rabies) مرض فيروسي مميت بنسبة 100% تقريباً بمجرد ظهور الأعراض على المصاب، وينتقل عبر لعاب الحيوان الهائج عن طريق العض أو الخدوش العميقة.
وشدد الصبري على ضرورة اتخاذ مسارين متوازيين لإنقاذ الموقف:
1. الوقاية العاجلة: إطلاق حملات توعية مكثفة للمواطنين لإرشادهم حول كيفية التعامل الإسعافي الفوري مع العضات (كغسل الجرح بالماء والصابون فوراً).
2. تأمين اللقاحات: إلزام مكتب الصحة بتوفير الأمصال واللقاحات الخاصة بداء الكلب مجاناً وبصورة عاجلة ومستمرة في المستشفيات والمراكز الحكومية، حيث يمثل انعدامها حكماً بالموت على الفقراء.
انتهاك حرمة القبور وتفخيخ الأحياء
ولم تتوقف الكارثة عند حدود الشوارع والأزقة، بل امتدت لتطال حرمة الموتى؛ حيث كشف التقرير عن تحول عدد من مقابر تعز، وفي مقدمتها "مقبرة الأوجينات" التاريخية، إلى مكبات للنفايات العشوائية ومأوى رئيسي للحيوانات النافقة وجحافل الكلاب الضالة.
ويصف سكان الأحياء المجاورة للمقبرة هذا الوضع الكارثي بالقول: "الكلاب تجوب شوارعنا نهاراً لتهدد أطفالنا، وفي الليل تتخذ من المقبرة ملاذاً آمناً وموقعاً للتجمع، مستغلة تلال القمامة المنتشرة بين القبور للبحث عن الطعام والاختباء. هذا المشهد لا يمثل خطراً داهماً على أمن عائلاتنا فحسب، بل هو إهانة مريرة وصارخة لحرمة قبور موتانا التي باتت تنهشها الحيوانات دون رادع".
حراك رقمي وتصعيد ميداني مرتقب
تجاه هذا المشهد المأساوي، تداعى ناشطون وصناع قرار محليون على منصات التواصل الاجتماعي لإطلاق حملة مناشدة وتنديد واسعة، طالبت بالتحرك الفوري لمدير عام صندوق النظافة ومكتب الأوقاف والإرشاد بالمحافظة. وانصبت المطالب الشعبية على ضرورة:
• تسيير حملات إبادة فورية وممنهجة للكلاب المسعورة.
• رفع تلال القمامة المتراكمة وتطهير محيط المقابر وداخلها.
• استكمال بناء أسوار المقابر المهدمة وتركيب بوابات حديدية تمنع تسلل الحيوانات.
• تفعيل الرقابة والمحاسبة القانونية ضد الجهات والأفراد المتسببين في تحويل المقابر إلى مقالب للنفايات.
وفي ختام تقريرها، دعت "وحدة الرصد" كافة الأقلام الحرة من صحفيين، وكتاب، ومؤثرين إلى تبني هذه القضية الإنسانية الحساسة والوقوف إلى جانب الأهالي. وأكدت مصادر محلية أن سكان الأحياء المتضررة يستعدون لتنظيم وقفات احتجاجية وخطوات تصعيدية واسعة في حال استمرار التجاهل الرسمي، معلنين أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي حتى يستعيدوا الأمان في شوارعهم ويصونوا كرامة قاطنيها وأحيائها ومقابرها.
ويبقى التساؤل معلقاً في سماء المدينة المنهكة: هل ستستيقظ السلطة المحلية والجهات التنفيذية في تعز لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن المدينة ستظل تدفع فاتورة الإهمال من دماء وأرواح أطفالها؟