آخر الأخبار
أخبار محلية

اليمن على صفيح ساخن: لماذا تكتفي الشرعية بـ "دفاعات الرمال" أمام زحف مليشيا الحوثيين؟

المنتصف نت- المنتصف نت 15/07/2026 09:04 313 مشاهدة
اليمن على صفيح ساخن: لماذا تكتفي الشرعية بـ "دفاعات الرمال" أمام زحف مليشيا الحوثيين؟

​بينما يواصل الحوثيون حشد قواتهم، وبناء التحصينات، وتكثيف الهجمات في محافظات الجوف ومأرب والضالع وتعز، يطرح الشارع اليمني تساؤلاً ملحاً يزداد صخباً مع كل طلعة شمس: لماذا تبدو الحكومة الشرعية أسيرة لمربع "الدفاع"؟ ولماذا تكتفي بامتصاص الصدمات بدلاً من استعادة زمام المبادرة الهجومية لكسر شوكة المليشيا التي لا تكف عن التوسع؟

​لاستجلاء خبايا هذا المشهد المعقد، استطلعنا آراء شخصيات تتابع الملف اليمني من زوايا عسكرية وسياسية ودبلوماسية:

​أزمة القيادة وتوازن القوى
​يرى اللواء الركن المتقاعد/ محمد  علي، الخبير الاستراتيجي العسكري​ أن المسألة ليست مجرد رغبة في الهجوم، بل هي معادلة توازن قوى. الشرعية حالياً تعاني من تشتت في بنية القيادة العسكرية، وغياب لغرفة عمليات موحدة قادرة على شن هجوم شامل. الحوثي يستغل غياب الغطاء الجوي الفاعل والقيود الدولية المفروضة على العمليات الهجومية الكبرى، مما يجعل من أي هجوم للشرعية مخاطرة قد تُفسر دولياً كإخلال باتفاقات خفض التصعيد الهشة."

"المظلة الدبلوماسية" والابتزاز العسكري
​يوضح الدكتور/ فهد سعيد ، المحلل السياسي المقيم في الرياضقائلا:
​"هناك 'مظلة دبلوماسية' تضغط على الشرعية. القوى الدولية ترى أن أي تصعيد عسكري واسع من قبل الحكومة قد ينسف فرص السلام الضئيلة. الحوثي يلعب لعبة 'الابتزاز العسكري'؛ فهو يهاجم ليفرض شروطه في أي مفاوضات قادمة، بينما تلتزم الشرعية بضبط النفس تحت ضغوط الحلفاء الدوليين الذين لا يريدون جبهة مشتعلة تهدد طرق الملاحة الدولية أكثر مما هي مهددة."

​ثصرخة الجبهات.. معضلة التسليح والقرار
​يقول القائد الميداني/ العقيد يحيى عبدالله ، أحد قادة الجبهات في مأرب: ​"نحن في الجبهات ننتظر 'الضوء الأخضر'. لدينا المقاتلون، ولدينا المعنويات، ولكننا نقاتل بأدوات دفاعية. نقص التسليح النوعي، وتأخر الإمدادات، وانقطاع الرواتب لفترات متقطعة يحول الجبهات إلى حالة استنزاف. القيادة السياسية تطلب منا الصمود فقط، والصمود وحده لا يحسم حروباً، بل يحولها إلى حروب استنزاف طويلة الأمد يستفيد منها الطرف الأكثر قدرة على التعبئة القسرية، وهو الحوثي."

عقيدة الحرب المستمرة كآلية للبقاء
​يؤكد الباحث/ إبراهيم ناجي، المختص في شؤون النزاعات بمركز دراسات استراتيجية​ بأن مليشيا الحوثي تتبع عقيدة 'الحرب المستمرة' كآلية للبقاء. هو لا يهاجم ليحتل فقط، بل ليجبر الخصم على الانشغال بالدفاع عن النفس عن بناء الدولة في المناطق المحررة. استراتيجية الحوثيين تهدف إلى استنزاف موارد الشرعية في معارك 'استعادة مواقع' بدلاً من 'إدارة أزمة'. الشرعية تفتقر إلى رؤية سياسية تحول الدفاع إلى هجوم مضاد استراتيجي يفكك بنية المليشيا في الداخل."

سقف اتفاقيات "ستوكهولم" المكبل
​يحلل السفير/ منصور عبد الله، دبلوماسي سابق قائلا:
​"الشرعية مكبلة باتفاقات ستوكهولم وغيرها من التفاهمات التي وضعت سقفاً سياسياً للحرب. الحكومة تخشى إذا بادرت بالهجوم أن تُصنف كطرف 'معطل للسلام'، وهذا ما تريده مليشيا الحوثي بالضبط؛ أن يراوغ سياسياً ويقاتل ميدانياً، بينما تقف الشرعية في موقف 'المدافع' الذي يحاول إثبات التزامه بالقرارات الدولية."

​ما وراء الصمت الاستراتيجي
​إن ما نراه اليوم في الجوف ومأرب والضالع ليس مجرد "جولات قتال"، بل هو انعكاس لغياب الإرادة الوطنية الجامعة للتحول من حالة "إدارة الأزمة" إلى "حسم الصراع". إن استمرار الشرعية في مربع الدفاع يجعلها في حالة انكماش دائم، بينما تتمدد مليشيا الحوثي عبر الاستغلال الأمثل للفراغات الاستراتيجية وضغوط المجتمع الدولي.
​إن التحرير لا يبدأ من الجبهات فحسب، بل من قرار سياسي شجاع يدرك أن "السلام" لا يُشترى بالصمت عن التغول، وأن استعادة الدولة تتطلب موازنة دقيقة بين متطلبات الدبلوماسية ومتطلبات الميدان. إذا لم تنتقل الشرعية من استراتيجية "التصدي" إلى "المبادرة الاستراتيجية"، فإنها لن تمنح اليمنيين سوى مزيد من الانتظار القاتل في طوابير النزوح.
​السؤال الذي يبقى معلقاً أمام طاولة صناع القرار: هل الصمت هو استراتيجية حكيمة لتجنب الأسوأ، أم هو استنزاف بطيء لمشروع الدولة الذي بدأ يذوب تحت وطأة التردد؟