أكد وزير التعليم الفني والتدريب المهني أن الوزارة تعمل على تنفيذ رؤية شاملة لإعادة بناء القطاع، بما يجعله أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار في اليمن، مشددًا على أن مستقبل البلاد يعتمد على إعداد كوادر مهنية مؤهلة تمتلك المهارة والمعرفة القادرة على تلبية احتياجات سوق العمل.
وأوضح الوزير، في هذا الحوار لصحيفة عدن الغد أن الوزارة تتجه نحو تحديث المناهج، وإدخال تخصصات حديثة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والأمن السيبراني، إلى جانب تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وتحويل المعاهد الفنية إلى مؤسسات إنتاجية تسهم في التنمية وتوفر فرص عمل للشباب.
س: معالي الوزير، ما هي رؤيتكم الاستراتيجية لإعادة بناء قطاع التعليم الفني والتدريب المهني في اليمن خلال السنوات القادمة؟ وهل هناك خطة وطنية واضحة للنهوض بهذا القطاع؟
ج: رؤيتنا تقوم على أن يصبح التعليم الفني والتدريب المهني أحد المحركات الرئيسة للتنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار، وأن يتحول من قطاع هامشي إلى قطاع يقود بناء رأس المال البشري الذي تحتاجه اليمن في المرحلة القادمة.
منذ تسلمنا مسؤولية الوزارة بدأنا العمل على إعداد رؤية استراتيجية شاملة لإعادة بناء القطاع، تستند إلى أفضل الممارسات الدولية، وتنسجم مع أولويات الحكومة واحتياجات سوق العمل. وتركز هذه الرؤية على إعادة تأهيل المعاهد، وتحديث المناهج، وتطوير قدرات الكادر التدريبي، وإدخال التخصصات الحديثة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والسلطات المحلية والمانحين.
كما نعمل على إعداد خطة وطنية متدرجة تأخذ في الاعتبار الإمكانات المتاحة، وتحدد أولويات واضحة تبدأ بإعادة تشغيل المؤسسات القائمة ورفع جودة التدريب، وصولًا إلى بناء منظومة تعليم فني حديثة قادرة على المنافسة إقليميًا.
ونحن نؤمن أن الاستثمار في التعليم الفني ليس إنفاقًا على التعليم فقط، بل استثمار مباشر في الاقتصاد الوطني، وفي خلق فرص العمل، وتحقيق الاستقرار والتنمية.
س: لماذا ظل التعليم الفني لعقود أقل جذبًا للطلاب مقارنة بالتعليم الجامعي؟ وما الذي ستفعله الوزارة لتغيير الصورة النمطية عنه؟ وكيف يمكن تحويل المعاهد المهنية والتقنية من مؤسسات تعليمية فقط إلى مراكز إنتاج وتأهيل مرتبطة مباشرة باحتياجات الاقتصاد؟
ج: هناك أسباب تاريخية واجتماعية وثقافية جعلت التعليم الجامعي يُنظر إليه باعتباره الخيار الأول، بينما ارتبط التعليم الفني لدى البعض بصورة غير دقيقة، رغم أن الدول الصناعية المتقدمة قامت نهضتها على التعليم المهني والتقني.
هذه الصورة لا تعكس الواقع، ولذلك سنعمل على تغييرها من خلال عدة مسارات، أهمها تحسين جودة التعليم والتدريب، وتوفير بيئة تدريب حديثة، وربط الخريجين بفرص عمل حقيقية، وإطلاق حملات توعوية تُبرز قصص النجاح لخريجي التعليم الفني.
كما نسعى إلى تحويل المعاهد إلى مراكز إنتاج وتدريب وخدمة مجتمعية، بحيث لا تقتصر على الجانب التعليمي، وإنما تقدم خدمات فنية للمجتمع، وتنفذ مشاريع إنتاجية، وتوفر التدريب المستمر للعاملين في مختلف القطاعات، بما يحقق لها موارد ذاتية ويمنح الطلاب خبرة عملية حقيقية قبل التخرج.
هدفنا أن يصبح المعهد الفني مؤسسة منتجة مرتبطة بالمصنع والمزرعة وورشة العمل والشركة، وليس مجرد قاعات دراسية.
س: هل تمتلك الوزارة قاعدة بيانات دقيقة عن احتياجات سوق العمل والتخصصات المطلوبة، بحيث يتم توجيه الطلاب نحو تخصصات تضمن لهم فرصًا مستقبلية؟
ج: نعمل حاليًا على بناء منظومة معلومات لسوق العمل بالتعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، لأن التخطيط السليم يبدأ من معرفة الاحتياجات الحقيقية للاقتصاد.
هناك تحدٍ يتمثل في محدودية البيانات الدقيقة نتيجة الظروف التي مرت بها البلاد، لكننا بدأنا خطوات عملية لإجراء دراسات قطاعية، وإنشاء قاعدة بيانات محدثة للتخصصات المطلوبة، وربطها بخطط القبول في المعاهد.
كما نسعى إلى إنشاء آلية دائمة لرصد احتياجات سوق العمل بشكل دوري، حتى تتمكن الوزارة من تحديث البرامج والتخصصات بصورة مستمرة، بما يضمن مواءمة مخرجات التعليم مع فرص العمل الفعلية.
س: في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه التعليم الفني في معالجة مشكلة البطالة وتحويل الشباب من باحثين عن وظائف إلى أصحاب مهارات وفرص عمل؟ وما مدى استعداد الوزارة لإشراك القطاع الخاص في صياغة المناهج التدريبية واستيعاب الخريجين؟
ج: أعتقد أن التعليم الفني هو أحد أهم الحلول لمعالجة البطالة، لأنه يركز على اكتساب المهارة والإنتاج، وليس الحصول على الشهادة فقط.
نحن نريد أن يتخرج الطالب وهو يمتلك مهنة يستطيع من خلالها إنشاء مشروعه الخاص، أو الالتحاق مباشرة بسوق العمل داخل اليمن أو خارجها.
ولذلك فإن شراكتنا مع القطاع الخاص ليست خيارًا، بل ضرورة استراتيجية. نسعى إلى إشراك القطاع الخاص في تصميم المناهج، وتحديد المهارات المطلوبة، وتوفير فرص التدريب الميداني، والمساهمة في تقييم الخريجين واستيعابهم في سوق العمل.
كما نعمل على توسيع برامج ريادة الأعمال، وتشجيع المشروعات الصغيرة، حتى يصبح خريج التعليم الفني صانعًا لفرص العمل وليس مجرد باحث عنها.
س: هل هناك توجه لإنشاء تخصصات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبرمجة؟ وكيف تنظرون إلى تجربة الدول التي جعلت التعليم الفني مسارًا موازيًا للتعليم الجامعي؟ وما أبرز التحديات التي تواجهكم؟ وهل تحتاجون إلى قرارات حكومية داعمة؟
ج: بالتأكيد، العالم يتغير بسرعة، ولا يمكن أن يبقى التعليم الفني بعيدًا عن هذه التحولات.
لدينا توجه لإدخال تخصصات حديثة تتعلق بالطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والبرمجة، والأمن السيبراني، والأتمتة الصناعية، بما يتناسب مع إمكاناتنا واحتياجات السوق.
ونحن نؤمن بأن التعليم الفني يجب أن يكون مسارًا تعليميًا متكافئًا مع التعليم الجامعي، وليس خيارًا بديلًا لمن لم يتمكن من دخول الجامعة. وهذا يتطلب تغييرًا في الثقافة المجتمعية، وتطوير التشريعات، وربط التعليم الفني بفرص العمل والدخل.
أما أبرز التحديات فهي محدودية التمويل، وتأثر البنية التحتية للمعاهد، وهجرة بعض الكفاءات، والحاجة إلى تحديث التشريعات، وتعزيز استقلالية المؤسسات الفنية، وتوفير التجهيزات الحديثة.
ونحن بالفعل بحاجة إلى دعم حكومي أكبر، سواء في زيادة المخصصات المالية، أو إصدار قرارات وتشريعات تساعد على تطوير القطاع، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وإعطاء التعليم الفني المكانة التي يستحقها ضمن أولويات الدولة.
س: معالي الوزير، تعمل الوزارة في ظل محدودية كبيرة في الموارد المالية، كيف يمكن تنفيذ خطط تطوير التعليم الفني والتدريب المهني في ظل هذه الظروف؟
ج: صحيح أن الموارد المالية تمثل تحديًا كبيرًا، لكننا لا ننظر إليها باعتبارها عائقًا يمنع العمل، بل تحديًا يدفعنا إلى البحث عن حلول مبتكرة.
نعتمد على عدة مسارات متوازية، منها ترتيب الأولويات، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتفعيل الشراكات مع القطاع الخاص، وتعزيز التعاون مع الأشقاء والأصدقاء والجهات المانحة، وتشجيع المعاهد على تنفيذ مشاريع إنتاجية تسهم في دعم مواردها.
كما نعمل على بناء الثقة مع شركائنا من خلال تقديم خطط واضحة ومشاريع قابلة للتنفيذ، لأننا نؤمن أن أي جهة مانحة تبحث عن مؤسسات تمتلك رؤية وإدارة قادرة على تحقيق النتائج.
وأود أن أؤكد في ختام هذا الحوار أن مستقبل اليمن لن يُبنى بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما بالإنسان المؤهل والماهر. وإذا أردنا اقتصادًا قويًا، وتنمية مستدامة، وفرص عمل حقيقية لشبابنا، فإن التعليم الفني والتدريب المهني يجب أن يكون في مقدمة أولويات الدولة، وسنواصل العمل بكل جد وإخلاص لتحقيق هذه الرؤية بالتعاون مع الحكومة والقطاع الخاص وشركائنا في التنمية.