أخبار محلية

علي عبد الله صالح... سيرة قائد صاغ الدولة بالثبات

علي عبد الله صالح... سيرة قائد صاغ الدولة بالثبات

هناك من يعبرون التاريخ كظلال عابرة، وهناك من يحفرون تضاريسهم في لحم الخريطة حتى لا تعود تدري هل البلاد هي التي صنعتهم، أم أنهم أعادوا رسم حدودها من خطوط أكفهم.

 في السابع عشر من يوليو 1978، لم يكن الأمر مجرد صعود ضابط شاب إلى سدة حكم ملغومة في صنعاء، بل كان التئاماً قدرياً بين رجل استثنائي وجغرافيا كانت تبحث عن مايسترو يضبط إيقاع فوضاها الضاربة في جذور الزمن.

منذ تلك اللحظة، لم يعش الزعيم علي عبد الله صالح الترف السياسي، بل عاش اليمن كحالة نضالية يومية. النضال في قاموسه لم يكن شعارات تُهتف في الميادين، بل كان ممارسة دقيقة لفن الممكن وسط حقل من الألغام الإقليمية والدولية والقبلية. 

كان يدرك أن بناء الدولة في اليمن يشبه النحت في الصخر الأصم؛ لذا لم يتكئ على أيديولوجيا معلبة، بل غزل من التناقضات اليمنية نسيجاً واحداً، فجعل من الخصومة السياسية حواراً، ومن الشتات الجغرافي وحيداً ومعمداً بالدم. 

كان نضاله التنموي معركة صامتة: تعبيد طريق في جبل شاهق، إيصال خيط نور إلى قرية منسية في أقاصي المحويت، أو بعث الروح في سد مأرب ليروي عطش التاريخ.

لكن الملمح الأكثر عمقاً في نضال الرئيس صالح يكمن في جدلية الدفاع، دافع عن الدولة ليس كامتياز، بل كعقيدة وجود. 

وحين تكالبت الرياح وعصفت الأنواء بالبلاد، تجلت عبقريته النضالية في رفضه الانحناء للعاصفة أو الهروب إلى المنافي المريحة.

اختار المواجهة الصعبة، مواجهة جعلت من سنواته الأخيرة ملحمة من الصمود الأسطوري وسط شعبه وتحت سماء وطنه، رافضاً المساومة على سيادة القرار اليمني أو بيع الثوابت في أسواق النخاسة السياسية.

وجاء الفصل الأخير ليضع الخاتمة التي تليق بالتراجيديات الإغريقية العظمى وشهامة الفرسان العرب.

لم يمت صالح على سرير وارف، ولم يغادر المشهد ببيان باهت؛ بل ترجل شهيداً في محراب مبادئه، قابضاً على بندقيته، مشتبكاً مع مصير بلاده حتى الرمق الأخير.

هذه الشهادة لم تكن مجرد نهاية بيولوجية لجسد، بل كانت صك الخلود الذي دمغ به مسيرته.

 لقد تحول الدم المسفوك على تراب صنعاء إلى أسمنت وجودي يربط اسمه بأركان الجمهورية إلى الأبد.

إن نضال الزعيم الشهيد يعاد اكتشافه اليوم ليس من خلال رثائه، بل من خلال الفراغ الهائل الذي تركه رحيله.

لقد أثبت للعالم أن القادة الحقيقيين لا يموتون عندما تدفن أجسادهم، بل عندما تتجسد أرواحهم في مآذن المدن، وفي صمود الجبال، وفي وجدان الأجيال التي عرفت معه معنى الدولة وقيمة السيادة. 

لقد عاش يمنياً، وقاتل يمنياً، واستشهد يمنياً، ليترك خلفه درساً بليغاً ومُراً؛ أن الأوطان التي تُفتدى بالدم، لا يمكن لغبار العابرين أن يمحو ملامحها.