كتب/ فيزان سنان بن نعم
نادراً ما يُتحدث عن الاحتراق النفسي في مسار الدكتوراه، رغم أنه حاضر بقوة في الكواليس ؛ فالطالب الذي دخل هذا الطريق بدافع الشغف، قد يجد نفسه بعد سنوات مرهقًا، مستنزفًا، فاقدًا للحماس، يتقدّم في البحث جسديًا… ويتراجع نفسيًا.
الاحتراق النفسي هنا لا يأتي فجأة، بل يتسلل بصمت ، ومن الشغف إلى الاستنزاف ، يبدأ طالب الدكتوراه غالبًا بطاقة عالية: أفكار كثيرة، طموح واضح، ورغبة حقيقية في الإضافة.
لكن مع الوقت، تتراكم:
* ضغوط الإنجاز
* طول المدة وعدم وضوح النهاية
* كثرة الملاحظات وقلة الاعتراف
* الخوف الدائم من التأخير أو الفشل
فيتحول الشغف إلى واجب ثقيل، والبحث إلى عبء يومي. إن الاحتراق النفسي في الدكتوراه ليس فقط نتيجة العمل الأكاديمي، بل نتيجة:
* توقعات مبالغ فيها من الذات
* مقارنات مستمرة مع الآخرين
* شعور دائم بأن “الوقت يداهمك”
* غياب الدعم النفسي والمؤسسي
* الصغوطات المالية على الباحث من الجامعة أو عند تنفيذ البحث.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين يُطلب من الطالب أن يبدو قويًا دائمًا، لأن “هذا طريق النخبة”.
إن ثقافة الصمت في كثير من البيئات الأكاديمية، يُنظر للتعب النفسي على أنه ضعف، لا حالة إنسانية.
فيصمت الطالب، ويتظاهر بالتماسك، ويواصل العمل على حساب صحته النفسية. وهنا تكمن الخطورة: الصمت لا يعالج الاحتراق بل يرسّخه ، وحين تتحوّل الدكتوراه إلى هوية أخطر ما في المسار هو أن يربط الطالب قيمته الإنسانية بتقدّمه في الدكتوراه.
فإذا تعثّر البحث، اهتزت ثقته بنفسه. وإذا تأخر الإنجاز، شعر بالفشل الشخصي.
الدكتوراه مشروع علمي، لا مقياس قيمة، ولا اختبار كرامة.
رسالة للمشرفين والمؤسسات:
المشرف الواعي لا يراقب الصفحات فقط، بل يراقب الإنسان خلفها ، والجامعة المسؤولة لا تقيس النجاح بالمدة وحدها، بل بجودة التجربة العلمية والإنسانية، وحافظوا على البيئة الأكاديمية خالية من الضغوط المفرطة.
الاحتراق النفسي لا يعالج بالتشديد، بل:
- بالتفهّم
* بوضوح التوقعات
* بفتح باب الحوار دون خوف
رسالة لطلاب الدكتوراه:
توقّف قليلًا دون شعور بالذنب ، خذ نفسًا وراجع علاقتك بالبحث، وليس كل تأخير فشلًا، ولا كل تعب ضعفًا، ولا كل استراحة هروبًا.
الاستمرار الأعمى قد ينجز أطروحة، لكن الاستمرار الواعي ينجز إنسانًا وباحثًا معًا.
واخيرا
الدكتوراه طريق طويل، ومن الطبيعي أن يرهق ، لكن الخطير أن نعتبر الاحتراق النفسي ثمنًا لا بد منه، أو علامة تفوق.
العلم لا يُبنى على الإنهاك، ولا يزدهر في بيئة تستنزف أصحابها ، والدكتوراه إن أحرقت صاحبها … فقدت معناها، مهما اكتملت فصولها ... وتذكر دائمًا أن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن صحة البحث ، الدكتوراه لا ينبغي أن تكون طريقًا للإرهاق، بل فرصة للنمو.