كتب / فيزان سنان بن نعم
لا يُرهق طالب الدكتوراه البحث وحده، ولا تستنزفه المراجع أو المناقشات العلمية فقط. فهناك خصم آخر، لا يظهر في الخطط الدراسية، ولا يُناقش في الندوات الأكاديمية، لكنه حاضر في تفاصيل الرحلة كلها... الضغوط المالية.
قد يظن البعض أن الدكتوراه معركة فكرية فحسب، لكن الحقيقة أنها، في كثير من الأحيان، معركة مع تكاليف الحياة، ورسوم الدراسة، وأسعار الكتب، ونفقات السفر، والطباعة، والاشتراكات العلمية، والالتزامات الأسرية. وبين كل ذلك، يحاول الباحث أن يحافظ على صفاء ذهنه، وكأن العقل يستطيع أن يعزل نفسه عن هموم المعيشة.
حين ينافس الراتب حلم الباحث ، فكم من باحث اضطر إلى تأجيل جزء من بحثه لأنه لم يستطع تحمل تكلفته.
وكم من طالب يعمل ساعات طويلة ليؤمّن متطلبات أسرته، ثم يُطلب منه أن ينافس باحثًا متفرغًا يملك كل الإمكانات.
المشكلة ليست في اختلاف الظروف، بل في أن الجميع يُقيَّمون بالمعيار نفسه، وكأن الفرص متساوية، بينما الواقع يقول غير ذلك.
الفقر لا يقتل الذكاء... لكنه قد يؤخره ، وليس صحيحًا أن المال يصنع الباحث، لكنه بلا شك يهيئ له بيئة أفضل للإبداع.
فالعقل المنشغل بكيفية دفع الرسوم، أو توفير تكاليف التنقل، أو شراء المراجع، لا يستطيع أن يمنح البحث كامل طاقته.، ولهذا، فإن دعم الباحث ليس ترفًا، بل استثمار في المعرفة.
ثمن لا يظهر في السيرة الذاتية ، ولا أحد يرى الليالي التي قضاها الباحث بين العمل والدراسة.
ولا أحد يكتب في السيرة الذاتية أنه اضطر لبيع جزء من ممتلكاته، أو الاستدانة، أو تأجيل احتياجات أسرته حتى يواصل رحلته العلمية.
الجميع يرى شهادة الدكتوراه في النهاية... لكن قليلين من يعرفون الثمن الذي دُفع للوصول إليها.
رسالة إلى الجامعات وصنّاع القرار:
إذا أردتم بحثًا علميًا قويًا، فلا تكتفوا بالمطالبة بالإنتاج.
ابنوا بيئة تُعين الباحث، ووفّروا منحًا، ومصادر تعلم، وتسهيلات، ودعمًا حقيقيًا.
فالمجتمعات التي تستثمر في الباحثين اليوم، تجني ثمار المعرفة لعقود قادمة.
رسالة إلى طلاب الدكتوراه:
لا تجعلوا ضيق الإمكانات يُقنعكم بأن أحلامكم مستحيلة ، قد يؤخر المال الطريق، لكنه لا يجب أن يوقفه.
ابحثوا عن البدائل، وشاركوا المعرفة، واستفيدوا من الموارد المفتوحة، وتمسكوا بسبب دخولكم هذا الطريق منذ البداية. فالظروف الصعبة قد تُبطئ الخطى، لكنها لا تمنع الوصول لمن يواصل السير.
واخيرا :
ليست كل معركة الدكتوراه داخل المكتبة؛ فبعضها يُخاض خارجها، في مواجهة ظروف اقتصادية قاسية لا يراها أحد ، وحين ندعم الباحث ماديًا، فإننا لا نساعد فردًا واحدًا، بل نمنح المجتمع فرصة ليولد فيه علمٌ جديد، وفكرة جديدة، وحل جديد ، وليس كل من تأخر في الدكتوراه ضعيفًا... فبعضهم كان يقاتل معركةً لا تظهر بين صفحات الرسالة.