افادت مصادر سياسية وحكومية بأن التصعيد الأخير الذي تنتهجه مليشيا الحوثي المصنفة منظمة إرهابية، يأتي في ظل أزمة مالية واقتصادية خانقة تضرب الجماعة، بالتزامن مع تصاعد الغضب الشعبي في مناطق سيطرتها، نتيجة التدهور المتسارع للأوضاع المعيشية واتساع رقعة الفقر والجوع.
وقالت المصادر إن مليشيا الحوثي فقدت خلال الأشهر الماضية أحد أبرز مصادر تمويلها، عقب توقف شحنات نفط إيرانية مجانية كانت تصل إليها عبر طرف ثالث، وذلك بعد الحرب الأميركية على إيران، الأمر الذي تسبب بأزمة مالية حادة داخل الجماعة، وأشعل صراعات بين أجنحتها المختلفة.
وبحسب المصادر، دفعت الضغوط المتزايدة مليشيا الحوثي إلى تصعيد خطابها وتحركاتها السياسية والعسكرية، في محاولة للهروب من أزماتها الداخلية وصرف الأنظار عن حالة الانهيار الاقتصادي والمعيشي المتفاقمة في مناطق سيطرتها.
وأوضحت المصادر أن الجماعة لجأت إلى افتعال أزمات مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، من بينها إعادة إثارة ملف الرحلات التجارية إلى مطار صنعاء، رغم أن المبادرة الأردنية لتسيير رحلات منتظمة بين صنعاء وعمّان أكدت عمليًا عدم وجود حظر على الرحلات المدنية.
وأضافت أن توقف الرحلات ارتبط برفض مليشيا الحوثي تسليم أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية كانت قد استولت عليها في وقت سابق، قبل أن تتعرض للتدمير لاحقًا خلال الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مطار صنعاء.
وأكدت المصادر أن التصعيد الحوثي يهدف، في جانب منه، إلى صرف الأنظار عن تنامي السخط الشعبي الناتج عن استمرار انقطاع رواتب الموظفين، وتراجع النشاط الاقتصادي، وإغلاق مكاتب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية عقب حملة الاعتقالات التي نفذتها المليشيا بحق عشرات العاملين فيها.
كما أشارت إلى استمرار توجيه إيرادات الجمارك والضرائب وقطاع الاتصالات لتمويل ما تسميه الجماعة "المجهود الحربي" والتجنيد، بدلًا من توظيفها في تحسين الخدمات العامة وتخفيف الأعباء المتزايدة عن السكان.
وتزامنت هذه التطورات مع تقرير صادر عن مركز أكابس الدولي المتخصص في الدراسات والتحليلات الإنسانية، كشف عن تدهور حاد في الأمن الغذائي في اليمن، مشيرًا إلى أن 68% من الأسر في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي باتت تعتمد على استراتيجيات معيشية مصنفة ضمن مستويات الأزمة والطوارئ لتأمين احتياجاتها الغذائية، مقابل 57% في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية.
وأوضح التقرير أن نسبة الأسر التي تعاني من استهلاك غذائي غير كافٍ ارتفعت في مناطق سيطرة الحوثيين من 49% إلى 58% خلال شهر واحد، في ظل استمرار تعليق المساعدات الإنسانية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع فرص كسب الدخل، وأزمة السيولة النقدية، بما ينذر بمزيد من التدهور الإنساني.
وفي السياق ذاته، حذرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من استمرار تراجع النشاط الاقتصادي في اليمن، مؤكدة أن نحو ثلث السكان فقط يشاركون في سوق العمل، في وقت تواجه فيه غالبية الأسر صعوبات كبيرة في استعادة مصادر دخلها، بالتزامن مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية واتساع رقعة الفقر.
وترى المصادر أن هذه المؤشرات تعزز فرضية أن التصعيد الحوثي الأخير يأتي في إطار محاولة للهروب من الضغوط الاقتصادية المتفاقمة واحتواء حالة السخط الشعبي المتنامية، عبر افتعال أزمات سياسية وإعلامية وصرف الأنظار عن أزمة معيشية تزداد قسوة يومًا بعد آخر في مناطق سيطرة المليشيا.
ومع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، تواجه مليشيا الحوثي اختبارًا متزايدًا في قدرتها على احتواء الغضب الشعبي، في وقت يبدو فيه التصعيد السياسي والعسكري وسيلة للهروب من أزمات صنعتها سياساتها وأولوياتها القائمة على تمويل الحرب بدلًا من إنقاذ الاقتصاد وتحسين حياة المواطنين.