في الوقت الذي يتجه فيه المشهد اليمني نحو مرحلة حاسمة من كسر العظم عسكرياً وسياسياً، يقف ملف الأسرى والمخفين قسرياً لدى مليشيا الحوثي شاهداً حياً على عمق المأساة الإنسانية التي وظفتها المليشيا كأداة للمقايضة طيلة سنوات الحرب.
ومع تسارع وتيرة التصعيد الأخير، الذي أظهر تحولاً جوهرياً في موازين القوى لصالح الحكومة الشرعية مدعومة بموقف إقليمي ودولي حازم، ينعكس هذا التحول مباشرة على آليات تعاطي المليشيا مع هذا الملف الحساس والمثقل بالآلام، وسط مؤشرات متزايدة على تآكل قدرة الحوثيين على المناورة السياسية أو فرض شروط جديدة، وتراجع فاعليتهم العسكرية في الميدان.
اتفاقات عمّان المجهضة وعقدة التلاعب الحوثي بالقوائم
لقد بدا واضحاً في المنعطف الأخير أن ملف المعتقلين والمخفين قسراً يعيش حالة من الاستعصاء المتعمد من قبل مليشيات الانقلاب في صنعاء، فرغم الآمال العريضة التي انعشتها التفاهمات برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر لإتمام أكبر صفقة تبادل تشمل أكثر من 1700 أسير ومحتجز، إلا أن المليشيا سارعت إلى إجهاض هذه الجهود في اللحظات الأخيرة.
هذا السلوك لا يمكن قراءته بمعزل عن الرغبة الحوثية المستمرة في تحويل المعاناة الإنسانية لآلاف الأسر إلى كرت ابتزاز سياسي وعسكري واقتصادي لتخفيف الاختناق الشديد الذي تعيشه.
وتجلى التعنت الحوثي مؤخراً في محاولات مكشوفة لإغراق الكشوفات بأسماء عناصر متورطة في قضايا جنائية جسيمة وأعمال إرهابية لا صلة لها بمسار الحرب، مثل المتهمين في قضايا اغتيالات لقيادات عسكرية بارزة، ما أثار موجة من السخط الشعبي والقبلي في مناطق الشرعية.
هذا التلاعب الحوثي بالبنود والمدة الزمنية المتفق عليها يعكس بوضوح أزمة الخيارات لدى المليشيا التي باتت ترى في الاحتفاظ بالمخفين قسرياً والمختطفين المدنيين خط دفاعها الأخير لمنع الانهيار الكامل لشرعيتها المتآكلة.
انحسار وعجز عن مجاراة التفوق العسكري والسياسي للشرعية
يأتي هذا التعثر الإنساني في وقت تعيش فيه مليشيا الحوثي أسوأ فترات انحسارها على الصعيدين العسكري والسياسي، حسب معطيات الخطاب والتوجه السياسي ومؤشرات الاستعدادات والجاهزية العسكرية التي تعمدت الحكومة الشرعية مؤخراً إظهارها، فالمعطيات الراهنة تؤكد أن الحكومة الشرعية باتت تمتلك زمام المبادرة بفضل تماسك جبهتها الداخلية والدعم اللوجستي والعسكري اللامحدود من الأشقاء في التحالف العربي والمجتمع الدولي، الذي ضاق ذرعاً بالتهديدات الحوثية للملاحة الدولية ومضيق باب المندب.
إن الإجراءات السيادية الأخيرة التي اتخذتها الحكومة الشرعية، بما في ذلك الحصار الاقتصادي والمالي، وفرض قيود صارمة على حركة الإمداد الجوي والبحري للمليشيا، جردت الحوثيين من عناصر القوة التي طالما استخدموها لفرض شروطهم في جولات التفاوض السابقة.
هذا الضعف البنيوي والإنهاك العسكري الذي يعاني منه الحرس الثوري الإيراني الداعم الأساسي للمليشيا، جعل من القدرة الحوثية على خوض مواجهات عسكرية طويلة الأمد أمراً شبه مستحيل، ودفع قياداتها إلى الهروب نحو الأمام عبر إفشال التفاهمات الإنسانية تلو الأخرى، ظناً منهم أن الاحتفاظ بالقادة العسكريين او السياسيين والناشطين والمخفين في زنازينهم المظلمة سيوفر لهم شبكة أمان أو وسيلة ضغط للحصول على مكاسب سيادية أو عوائد اقتصادية تعوض خسائرهم الميدانية المتلاحقة.
الاحتقان الشعبي وتآكل الحاضنة من الداخل
إلى جانب العزلة الدولية والضعف السياسي، تواجه مليشيا الحوثي خطراً وجودياً ينبع من تحت أقدامها في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرتها؛ حيث يعيش الشارع اليمني حالة غير مسبوقة من الغليان والاحتقان الشعبي العارم. لقد بلغت الظروف الاقتصادية والمعيشية حداً لا يمكن تحمله جراء سياسات الإفقار الممنهج، ونهب رواتب الموظفين، والجبايات الجائرة التي تفرضها المليشيا لتمويل آلتها الحربية وإثراء قياداتها السلالية، في مقابل حرمان المواطنين من أبسط مقومات الحياة والخدمات الأساسية.
هذا التفسخ في الجبهة الداخلية للحوثيين، وتصاعد الرفض المجتمعي والقبلي الصامت والعلني لسياسات القمع والترهيب، وتزايد حدة الملاحقات وقرارات المحاكمات الصورية التي تطول النساء والناشطين والمعلمين، يضع المليشيا في موقف الدفاع المستمر عن بقائها. وفي هذا السياق، يصبح التعاطي الحوثي الفاشل مع ملف الأسرى والمخفين دليلاً إضافياً على رعب المليشيا من أي انفراجة قد تُفسر على أنها تراجع أو هزيمة أمام حاضنتها الشعبية، مما يجعلها تفضل استمرار حالة الانسداد بانتظار معجزة سياسية قد لا تأتي في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة.
المآلات المتوقعة
أمام هذه المعطيات، تتجه قراءات المراقبين نحو مآلات معقدة لملف الأسرى والمخفين؛ فالحكومة الشرعية، التي تنطلق من موقف قوة حقيقي وتتعامل مع هذا الملف من منظور إنساني بحت يرفض التسييس، تجد نفسها أمام التزام أخلاقي وقانوني يلزمها بالاستمرار في الضغط بكافة الوسائل المشروعة لإنهاء عذابات المختطفين.
ومن المرجح أن يؤدي استمرار التعنت الحوثي إلى دفع الحكومة والتحالف نحو اتخاذ خطوات عقابية واقتصادية أكثر صرامة تطول بقية المنافذ والموارد التي تعتمد عليها المليشيا، مما سيضاعف من عزلتها ويسرع من وتيرة تهاويها.
إن بقاء آلاف المختطفين والمخفين قسراً في غياهب السجون الحوثية السرية، وتعرضهم لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، يضع الأمم المتحدة ومكتب مبعوثها الخاص أمام اختبار حقيقي لإثبات جديتهم وفك الارتباط بين المسار الإنساني وحسابات المعارك العسكرية.
ولم يعد مقبولاً الاكتفاء ببيانات القلق أو الوقوف في موقف المتفرج أمام مليشيا تنحسر قوتها يوماً بعد يوم، لكنها تزداد شراسة وتغولاً ضد المدنيين العزل.
إن كسر جدار الصمت الدولي، واستغلال حالة الضعف الراهنة للمليشيا عبر فرض عقوبات دولية حاسمة ومباشرة، هو السبيل الوحيد لإجبار الحوثيين على الانصياع للقرارات الأممية وتصفير المعتقلات، وإعادة الفرحة إلى قلوب آلاف الأسر اليمنية المنتظرة خلف أبواب الأمل المطروق.