كشفت مصادر سياسية وحكومية يمنية أن التصعيد الذي تنتهجه مليشيا الحوثي خلال الفترة الأخيرة يعكس حالة ارتباك غير مسبوقة تعيشها الجماعة، في ظل أزمة مالية خانقة، وتراجع مصادر تمويلها، واتساع رقعة السخط الشعبي في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وسط تدهور متسارع للأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
وأكدت المصادر أن المليشيا تواجه ضغوطًا مالية متزايدة بعد فقدان أحد أهم مصادر الدعم، إثر توقف وصول شحنات نفط إيرانية مجانية كانت تصل عبر وسطاء، وهو ما تسبب في تفاقم أزمتها المالية وأشعل خلافات وصراعات داخل أجنحتها القيادية، الأمر الذي دفعها إلى تصعيد خطابها السياسي وتحركاتها العسكرية في محاولة لصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية.
وأوضحت المصادر أن الحوثيين لجأوا خلال الأسابيع الماضية إلى افتعال ملفات خلافية مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، من بينها إثارة قضية الرحلات التجارية عبر مطار صنعاء، رغم أن المبادرة الأردنية الخاصة بتسيير رحلات منتظمة بين صنعاء وعمّان أثبتت عمليًا عدم وجود قيود على الرحلات المدنية.
وأشارت إلى أن توقف الرحلات لم يكن نتيجة أي حظر، بل جاء بسبب رفض المليشيا تسليم أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية كانت قد استولت عليها سابقًا، قبل أن تتعرض تلك الطائرات للتدمير خلال الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار صنعاء.
ووفقًا للمصادر، فإن قيادة المليشيا تسعى إلى افتعال أزمات سياسية وإعلامية للهروب من تصاعد الغضب الشعبي، الذي تغذيه سنوات من انقطاع رواتب الموظفين، وتراجع النشاط الاقتصادي، واستمرار تدهور الخدمات الأساسية، إلى جانب حملات الاعتقال التي طالت عشرات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، وهو ما تسبب في إغلاق عدد من مكاتب تلك المنظمات وتقليص تدخلاتها الإنسانية.
وأضافت أن الجماعة تواصل توجيه إيرادات الجمارك والضرائب وقطاع الاتصالات لتمويل عملياتها العسكرية وحملات التجنيد، بدلاً من تخصيصها لتحسين الخدمات العامة أو التخفيف من معاناة السكان، الأمر الذي فاقم الأوضاع المعيشية ووسع دائرة الفقر والجوع في مناطق سيطرتها.
وتزامنت هذه التطورات مع مؤشرات إنسانية مقلقة، أبرزها تقرير صادر عن مركز «أكابس» الدولي المتخصص في التحليلات الإنسانية، والذي كشف عن تدهور حاد في الأمن الغذائي داخل مناطق سيطرة الحوثيين، موضحًا أن 68% من الأسر باتت تعتمد على استراتيجيات معيشية مصنفة ضمن مرحلتي الأزمة والطوارئ لتأمين احتياجاتها الغذائية، مقارنة بـ57% في المناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية.
كما أظهر التقرير ارتفاع نسبة الأسر التي تعاني من استهلاك غذائي غير كافٍ في مناطق سيطرة الحوثيين من 49% إلى 58% خلال شهر واحد فقط، نتيجة استمرار تعليق المساعدات الإنسانية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع فرص العمل، وأزمة السيولة النقدية، وهو ما ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.
وفي السياق ذاته، حذرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من استمرار تراجع النشاط الاقتصادي في اليمن، مؤكدة أن نحو ثلث السكان فقط يشاركون في سوق العمل، بينما تعجز غالبية الأسر عن استعادة مصادر دخلها في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية واتساع رقعة الفقر.
وترى المصادر أن هذه المعطيات تكشف بوضوح أن التصعيد الحوثي الأخير لا يعكس قوة ميدانية بقدر ما يمثل محاولة للهروب من أزمة داخلية متفاقمة، بعد أن باتت المليشيا تواجه ضغوطًا مالية وشعبية غير مسبوقة، بينما تتزايد معاناة المواطنين في مناطق سيطرتها نتيجة السياسات التي تنتهجها وتغليبها الإنفاق العسكري على احتياجات السكان الأساسية.