يواجه مجلس القيادة الرئاسي اليمني والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع المجتمع الدولي، ساعة الحقيقة الجادة، منذ بدء الأزمة، وذلك عقب إعلان ميليشيا الحوثي ما أسمته حظر الملاحة البحرية على السعودية، في مضيق باب المندب.
ويمثل هذا التصعيد قفزة دراماتيكية تتجاوز حدود المناورات السياسية التقليدية إلى مربع الابتزاز المفتوح لخطوط الطاقة العالمية وطرق التجارة الدولية.
وتضع هذه التطورات العاصفة صناع القرار أمام مسارين لا ثالث لهما: إما النزول عند رغبات الميليشيا والانصياع لابتزازها الجوي والبحري عبر تسويات ترقيعية ستكون بمثابة المسمار الأخير في نعش ثقة الشعب اليمني بشرعيته ومجلسه الرئاسي، وإما الذهاب نحو قرار الحسم العسكري الشامل كخيار وحيد لردع المغامرة الحوثية الإيرانية واستعادة السيادة الوطنية وبسط الاستقرار الإقليمي.
طبول الحرب تقرع مجدداً
لم يكن الإعلان الحوثي بفرض حظر الملاحة البحرية وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لسلسلة من الخطوات التصعيدية الممنهجة التي بدأت باختبار الميليشيا للمجال الجوي اليمني عبر محاولة فرض هبوط طائرات إيرانية تابعة لشركة "ماهان إير" في مطار صنعاء دون تصاريح رسمية من الحكومة الشرعية.
وأمام هذا الانتهاك الصارخ للسيادة الوطنية، اضطرت وزارة الدفاع اليمنية إلى اتخاذ خطوة حازمة باستهداف مدرج المطار لمنع الطائرة الإيرانية من الهبوط، وهو ما عدته الميليشيا إعلاناً لانتهاء مرحلة خفض التصعيد.
وسرعان ما نقلت المليشيا المعركة إلى الجوار الإقليمي عبر استهداف مطار أبها الدولي بالصواريخ والمسيّرات، وصولاً إلى إعلان المتحدث العسكري للمليشيا فرض الحصار البحري بدعوى معادلة الحصار بالحصار.
ويكشف هذا التدرج في التصعيد أن الميليشيا الحوثية لم تعد تكتفي بالتمترس خلف الملفات الإنسانية والرواتب لابتزاز التحالف والمجتمع الدولي، بل باتت تستخدم أمن البحر الأحمر وباب المندب كأوراق ضغط استراتيجية تخدم بالدرجة الأولى التوجهات الإيرانية الرامية لتوسيع ساحات التوتر الإقليمي.
وفي الوقت الذي بذلت فيه المملكة العربية السعودية جهوداً جبارة لدفع مسار السلام وفي سبيل إنجاح الوساطات الإقليمية، يأتي الموقف الحوثي ليرهن الجغرافيا اليمنية ومصالح شعبها بالكامل لأجندة طهران، مسقطاً كل فرص التهدئة ومثبتاً زيف ادعاءات المليشيا التي كانت تنتظر تدفق الأموال والمكاسب دون تقديم أي تنازلات سياسية أو وطنية حقيقية.
مخاطر التسوية السياسية
تتجه الأنظار اليوم نحو العاصمة العُمانية مسقط، حيث تجري مشاورات مكثفة يقودها المبعوث الأممي بمشاركة أطراف إقليمية لاحتواء الموقف المتفجر. غير أن الأوساط السياسية والشعبية اليمنية تنظر بعين الريبة والوجل إلى أي محاولات جديدة لإنتاج تسوية هشة تقوم على تقديم تنازلات إضافية للميليشيا.
إن القبول بالابتزاز الحوثي في هذه اللحظة الحرجة، وتمرير شروط المليشيا تحت لافتة حقن الدماء أو الحلول الإنسانية، سيمثل ضربة قاضية ومباشرة لشرعية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المعترف بها دولياً.
فالشارع اليمني الذي تحمّل ويلات القمع والفقر ومصادرة الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين، يرى في أي تراجع رسمي أمام التهديدات البحرية والجوية استسلاماً كاملاً سينهي تماماً ما تبقى من ثقة شعبية في قدرة مؤسسات الدولة على حمايته أو استعادة حقوقه وسلب الميليشيا سلاحها المنفلت.
وعلى الصعيد الإقليمي، فإن استمرار الخضوع لسياسة الابتزاز الحوثي لن يجلب السلام للمملكة العربية السعودية أو المنطقة، بل سيعزز من غطرسة المليشيا ويمنحها الوقت لترتيب صفوفها العسكرية وتحديث ترسانتها من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية برعاية إيرانية مباشرة.
إن تجارب السنوات الماضية أثبتت أن الحوثيين يستغلون كل فترات التهدئة لتعظيم مكاسبهم المادية والسياسية دون الالتزام بأي عهود، وأن القبول بمعادلاتهم المفروضة بقوة السلاح سيعني شرعنة وجود ذراع إيراني على حدود المملكة، يملك القدرة على خنق الملاحة الدولية وشل حركة موانئ المنطقة واستهداف منشآتها الحيوية في أي لحظة تتطلبها حسابات طهران السياسية.
الحسم العسكري خيار وحيد
في المقابل، يبرز قرار الحسم العسكري كخيار استراتيجي وحيد ولا بديل عنه أمام دول التحالف العربي والمجلس الرئاسي والتوجه الدولي والإقليمي لوضع حد نهائي لهذا الجنون الحوثي المستمر.
ولم تعد المعركة اليوم معركة يمنية داخلية، بل تحولت إلى مواجهة عالمية مباشرة بعد أن تجرأت الميليشيا على إعلان إغلاق ممر مائي دولي يمر عبره ملايين البراميل من النفط وحركة التجارة بين الشرق والغرب.
إن المعطيات على الأرض تشير إلى أن القوات الحكومية في مختلف الجبهات، لا سيما في جبهات تهامة ومأرب والحديدة، بدأت بالفعل في رفع جاهزيتها القتالية وتصدت بنجاح لعدة محاولات تسلل بحرية وبرية حوثية، مما يعكس استعداد الصف الوطني للتحرك الجاد نحو معركة فاصلة تنهي هذا العبث.
إن التوجه الإقليمي والدولي بات أكثر قناعة من أي وقت مضى بأن العواقب الوخيمة لترك مضيق باب المندب تحت رحمة مليشيا عقائدية منفلتة ستكون كارثية على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة.
ولذلك، فإن اتخاذ قرار الحسم العسكري المدعوم بغطاء جوي وبحري دولي غير مسبوق هو الرد الفعلي الوحيد القادر على بتر الذراع الإيراني وتطهير السواحل والموانئ اليمنية وبسط سيادة الدولة الرسمية.
إن التحرك العسكري الشامل المتزامن مع هبة شعبية متوقعة في الداخل اليمني الرافض لسياسات الميليشيا، يمثل الطريق الصادق والوحيد لإعادة اليمن إلى حاضنته العربية، وحماية الأمن القومي للمملكة العربية السعودية، وتأمين الملاحة الدولية من القرصنة والابتزاز السياسي، واضعاً المليشيا الحوثية أمام مصيرها الحتمي بعد أن جنت على نفسها بجهلها وعنجهيتها وعصيانها للإرادة الوطنية والدولية.