تتسارع التطورات العسكرية والسياسية في الملف اليمني بصورة غير مسبوقة، واضعةً جهود السلام الإقليمية والدولية على محك حقيقي.
ففي الوقت الذي تدفع فيه سلطنة عُمان والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة نحو إحياء خارطة الطريق المتعثرة، جاء التصعيد الحوثي الأخير بفرض حصار بحري على الموانئ السعودية واستهداف ناقلات النفط ليعيد صياغة المشهد من جديد. ومع إعلان تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية عن تنفيذ رد عسكري حازم ومتناسب ضد أهداف للمليشيا في الحديدة، والجوف وتعز والضالع خلال الساعات الماضية، يبرز السؤال الجوهري الذي يشغل الأوساط السياسية والشعبية: هل سيتوقف الحسم العسكري للحكومة الشرعية والتحالف أمام أول مناورة سياسية حوثية، أم أن معادلة المواجهة قد تغيرت جذرياً هذه المرة؟
تصعيد
عاشت الساحة اليمنية على مدار السنوات الأخيرة في حالة من التهدئة الهشة المستندة إلى تفاهمات هدنة عام 2022 غير المعلنة.. غير أن هذه التهدئة تبخرت تماماً إثر أزمة الطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار الحديدة دون تنسيق مع الحكومة المعترف بها دولياً، وهو ما عدته الحكومة الشرعية خرقاً صارخاً لسيادتها الوطنية. ردت القوات الحكومية بقصف مدرج المطار لمنع الطائرة من الهبوط مجدداً، ليرد الحوثيون بسلسلة تهديدات باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية في المملكة.
تطورت تلك التهديدات سريعاً إلى إعلان المليشيا فرض حصار بحري كامل على الناقلات المتجهة للموانئ السعودية تحت شعار معادلة العين بالعين. هذا التصعيد ترجمته المليشيا فعلياً باستهداف ناقلة نفط سعودية في البحر الأحمر، مما ألحق بها أضراراً مادية.
هذه الخطوات يراها مراقبون عسكريون بمثابة إعلان حوثي صريح بنسخ التفاهمات السياسية السابقة والهروب نحو الأمام لتخفيف الضغوط الداخلية الاقتصادية والشعبية التي تعصف بمناطق سيطرتهم.
الرد العسكري للتحالف
في مقابل الرسائل الحوثية التصعيدية، جاء رد تحالف دعم الشرعية سريعاً ومباشراً؛ إذ شنت مقاتلاته غارات مركزة على مواقع عسكرية مشروعة للمليشيا الحوثية في محافظة الحديدة وجزيرة كمران، استهدفت البنية التحتية المرتبطة بتهديد سلامة الملاحة.
بالإضافة الى شن القوات الجوية اليمنية غارات وضربات على مواقع للمليشيا في الجوف وتعز ودمت خلال الساعات الماضية.
وأوضح المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أن عملية الرد العسكري تمت بدقة وحققت أهدافها العملياتية بما يتماشى مع القانون الدولي الإنساني.
وبعث المالكي برسالة شديدة اللهجة أكد فيها أن قيادة القوات المشتركة لن تتهاون مطلقاً في حماية مصالح ومقدرات المملكة وسفنها التجارية، مشدداً على أن أي عمل عدائي مستقبلي سيُقابل برد غير مسبوق وبقوة حازمة، وهو ما يشير إلى أن خيار الردع العسكري بات هو الموجه الأساسي للتحالف بدلاً من سياسة ضبط النفس الطويلة.
الماكينة الدبلوماسية العُمانية والأممية.. محاولات مستميتة للإنعاش
في الجانب الدبلوماسي، تحركت مسقط سريعاً لفرملة هذا الانفجار العسكري الشامل. وأعلنت وزارة الخارجية العُمانية رسمياً أنها تقود تنسيقاً مكثفاً ومباشراً مع الرياض، والأطراف اليمنية، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة هانس غروندبرغ، بهدف استئناف المسار السياسي وخارطة الطريق وتجنب تصعيد قد يخرج عن السيطرة.
من جانبه، ما زال المبعوث الأممي غروندبرغ، حسب تصريحات له، يبذل جهوداً مضنية بين مسقط والرياض للتوصل إلى صيغة تهدئة فورية. وحذرت الأمم المتحدة من مغبة الانزلاق مجدداً نحو أتون الحرب الشاملة، مؤكدة أنه لا بديل عن عملية سياسية شاملة يقودها اليمنيون.
غير أن الشارع اليمني والعديد من القيادات السياسية ينظرون بريبة شديدة لهذه التحركات؛ إذ يرون أن الحوثيين اعتادوا استخدام الوساطة العُمانية والضغط الأممي كمظلة أمان ومحطة استراحة للمناورة وإعادة ترتيب الصفوف كلما اشتد عليهم الخناق العسكري أو الاقتصادي، ليتحللوا لاحقاً من أي التزامات.
هل تنجح المناورات في إيقاف قطار الحسم
تؤكد المعطيات الحالية على الأرض أن هوامش المناورة أمام المليشيا الحوثية قد تآكلت إلى حد كبير؛ فالحكومة الشرعية أعلنت حالة الاستنفار والتعبئة العامة، وبدأت عملياً في تفعيل قدراتها الدفاعية والهجومية بدعم سخي من التحالف، بما في ذلك إحياء دور سلاح الجو الحكومي وتجهيز مقاتلاته لفرض السيادة الجوية.
الموقف السعودي يظهر هذه المرة أكثر حزماً وثباتاً؛ فالملفات الاقتصادية والسياسية لم تعد تحتمل الصبر على تهديد الممرات المائية والطاقة العالمية التي تمس مباشرة الأمن القومي للمملكة واستقرار الأسواق الدولية.
وبناءً على ذلك، يرى خبراء استراتيجيون أن أي تراجع أو تجميد للعمليات العسكرية استجابة لوساطات تقليدية دون وجود ضمانات حقيقية ملزمة، وتفكيك حقيقي للقدرات الهجومية الحوثية، سيكون بمثابة تأجيل للأزمة لا حل لها.
إن القرار في الرياض وحكومة الشرعية يبدو متجهاً نحو إرساء معادلة جديدة: الأفعال على الأرض هي المحك، وزمن القبول بالمراوغات السياسية لشراء الوقت قد ولى بلا رجعة. بينما يرى كثير من الساسة اليمنيين بأن ذلك سيقف أمام أول ضغط أممي ووساطة عمانية تعرض تنازلاً معلناً أو غير مباشر من قبل مليشيا الحوثي مقابل إيقاف الضربات الجوية والخناق الإقليمي والدولي عليها.