في الوقت الذي تعاني فيه الجامعات الحكومية اليمنية من شح حاد في الموارد والبنى التحتية، وتكافح الأسر اليمنية لتأمين تعليم أبنائها، كشف تقرير رسمي صادر عن لجنة مراجعة قوائم المبتعثين في الخارج عن صور صارخة من الفساد الإداري والمالي واستغلال النفوذ في ملف الابتعاث الحكومي، محولًا حلم التحصيل العلمي الخارجي إلى "امتياز خاص" لعائلات المسؤولين والشخصيات النافذة.
التقرير، الذي نُشر، أماط اللثام عن اختلالات هيكلية عميقة في توزيع المنح الدراسية، تمثلت في هيمنة أسر وأقارب المسؤولين على النصيب الأكبر من مقاعد البعثات، وإهدار المال العام في ابتعاث طلاب لتخصصات تتوفر محليًا وبوفرة.
"التوريث الأكاديمي".. عائلات تستحوذ على عشرات المقاعد
أظهر التقرير بالأرقام حجم الاستحواذ العائلي على مقاعد الابتعاث، حيث سُجلت 508 حالات إخوة ضمن قوائم المبتعثين، تراوح عدد الإخوة فيها بين اثنين وخمسة من الأسرة الواحدة، وتوزعوا على دول عدة، أبرزها مصر، وتركيا، والسودان، وروسيا، وغالبيتهم العظمى من أبناء مسؤولين وسفراء وشخصيات نافذة.
وفي مفارقة تعكس حجم الخلل في معايير العدالة وتكافؤ الفرص:استحوذت 284 عائلة على أعداد ضخمة من المنح، وصلت حصة بعضها إلى أكثر من 16 مقعدًا دراسيًا للأسرة الواحدة.
في المقابل، لم تحصل بعض الجامعات الحكومية الناشئة إلا على مبتعث واحد فقط.
بلغت نسبة استحواذ العائلات والأشقاء نحو 33% من إجمالي المبتعثين إلى الخارج.
رصد التقرير أساليب تحايل واضحة لإخفاء صلات القرابة، تمثلت في تغيير الاسم الرابع أو حذف لقب العائلة.
هدر المال العام في تخصصات إنسانية متوفرة محليًا
لم يقتصر الخلل على سوء التوزيع، بل امتد ليشمل طبيعة التخصصات المبتعث إليها، حيث كشف التقرير عن ابتعاث المئات على نفقة الدولة لدراسة تخصصات إنسانية تتوفر بكثرة في الجامعات اليمنية، مثل: علوم القرآن، والتربية، واللغة العربية، والتاريخ، والآداب، والإدارة، وعلم الاجتماع.
بلغ عدد طلاب الجامعات الحكومية الذين يدرسون هذه التخصصات في الخارج 233 طالبًا وطالبة، ما يمثل 36% من إجمالي المبتعثين.
تكلف هذه الفئة خزينة الدولة نحو 433 ألف دولار في الربع الواحد، بما يعادل 1.73 مليون دولار سنويًا.
أكد التقرير أن هذه الأموال الطائلة كان يمكن توجيهها بشكل أكثر كفاءة لتطوير برامج الدراسات العليا والأقسام العلمية داخل الجامعات اليمنية للارتقاء بجودتها.
غرائب الابتعاث.. دراسة اللغات في غير أراضيها وتخصصات غير مبررة
تضمن التقرير جملة من حالات الابتعاث التي وُصفت بـ"غير المبررة والعبثية"، والتي تفتقر إلى أي جدوى أكاديمية، ومنها:
ابتعاث لدراسة اللغة العربية في دول غير عربية مثل الهند، وماليزيا، وباكستان.
ابتعاث لدراسة اللغة الإنجليزية وآدابها في دول غير ناطقة بها مثل روسيا، وتونس، والمغرب.
ابتعاث طالب من جامعة ذمار إلى مصر لدراسة تخصص "إنتاج الأسماك".
تخصيص 167 منحة للسودان، تركز معظمها في تخصصات متوفرة محليًا (126 حالة في تخصصات إنسانية، بينها 60 حالة في الدراسات الإسلامية، رغم توفرها في الجامعات اليمنية).
أبعاد سياسية وتحديات مؤسسية
لفت التقرير الانتباه إلى أن التخصصات الإنسانية طغت على برامج الابتعاث لمبتعثي الجامعات الحكومية، ولا سيما تلك الواقعة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي. وفي هذا السياق، تتحمل الحكومة الشرعية نفقات تأهيل كوادر جامعات تقع خارج سيطرتها الإدارية المباشرة، في وقت تتوفر فيه غالبية تلك التخصصات العلمية والإنسانية داخل الوطن.
خاتمة
يضع هذا التقرير الرسمي الرأي العام والجهات الحكومية المختصة أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة.
إن استمرار هذا النزيف المالي والعبث بفرص التعليم العالي لصالح المحسوبيات والعائلات النافذة يهدد بتعميق أزمة الثقة بمؤسسات الدولة، ويحرم الكفاءات الحقيقية من أبناء الشعب اليمني من أبسط حقوقهم في التنافس العادل، مما يستوجب تطهير كشوفات الابتعاث وإخضاعها لمعايير الشفافية والكفاءة الأكاديمية البحتة.