تاريخ النشر: 29.07.2026 | 20:59 GMT
في حديثه لقناة 14 الإسرائيلية صرح وزير الدفاع الإسرائيلي بأن طائرات أمريكية انطلقت من قواعد بإسرائيل لشن هجمات على إيران في الأسابيع الأخيرة.
الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر
وهذا الخبر، وفقا لإذاعة الجيش الإسرائيلي، منع نشره في إسرائيل خلال الأسابيع الماضية، بينما اضطرت الرقابة إلى السماح بنشره لاحقا بعد تصريح وزير الدفاع. ووفقا للقانون الإسرائيلي، فإن الشخص الوحيد، باستثناء رئيس جهاز الرقابة بالطبع، المخول قانونا بالسماح بنشر مثل هذه المعلومات السرية هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلا عن مصدر رفيع المستوى، قد كشفت عن أن ترامب يتجنب عمدا لقاء نتنياهو لأنه "لا يرغب في رؤيته"، إلا أن اللقاء قد تم، وخرج نتنياهو بتصريح أن اللقاء كان "رائعا، ومن أفضل الاجتماعات" التي عقدها الثنائي (وفقا لـ "فوكس نيوز")، وأكد نتنياهو أن الرئيس ترامب كان "واضحا جدا"، وقال إن لديه والرئيس ترامب "التزام مشترك" ولا يريدان رؤية النظام الإيراني "يتملك أسلحة نووية".
في سياق منفصل، وحول لقاء ترامب وزيلينسكي، قال الرئيس الأمريكي إن أمورا كثيرة قد نوقشت و"سار الاجتماع على ما يرام"، بينما صرح زيلينسكي بأن ترامب "وافق على منح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ لأنظمة الدفاع الجوي (باتريوت)".
وقال ترامب إن اجتماعيه مع نتنياهو وزيلينسكي كانا إيجابيين، دون الإفصاح عن أي تفاصيل من أي من الاجتماعين.
ومهما تبدو الأحداث السابقة متنافرة ومتباعدة، وتنقل أنباء عن أحداث في مسرحين منفصلين للصراع، فإن ثمة محاولة "خفية" لتوحيد المسرحين: المسرح الأوروبي والمسرح الشرق أوسطي. بمعنى أن زيلينسكي ونتنياهو، فيما يبدو الآن، يتنافسان على كسب ود ورضا واهتمام السيد الأمريكي في البيت الأبيض من خلال محاولة كليهما طرح ما يمكن أن يفعلاه من أجل "ربط المسرحين"، والتأكيد على أن الحربين لم تعودا منفصلتين، وعلى ترامب الآن أن يحسم من أمره ويبدأ المرحلة الساخنة من الحرب العالمية الثالثة بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية وعلى وجه التحديد البنتاجون "وزارة الحرب".
فهل نحن أمام اندماج تاريخي لساحتي الصراع، نظرا لتزامن زيارة زيلينسكي ومحاولته ضمان استمرار الانخراط الأمريكي في أوكرانيا، و"حصوله على" تراخيص إنتاج "باتريوت"، وزيارة نتنياهو وسعيه لترسيخ الشراكة الأمريكية، وسعي وزير دفاعه للتأكيد على "المشاركة الأمريكية الإسرائيلية في مواجهة إيران" والمشاركة الإسرائيلية النافذة في إعادة ترتيب ملفات المنطقة، وتوسيع نطاق العمليات العسكرية بالهجوم الأوكراني على سفينة مرتبطة بإيران في بحر قزوين، ما يعني انتقال الضغط الأوكراني على أحد شركاء موسكو.
لا يمكننا القول بأن هناك استراتيجية أمريكية موحدة، أو دمجا للجبهتين. فما حصلنا عليه من ترامب هو تصريحات مقتضبة لرئيس "الشركة" ترامب، بعد اجتماعه السري مع رئيسي العصابتين، نتنياهو وزيلينسكي، اللذان حاولا بالتوازي مع اجتماعهما تقديم فروض الولاء والطاعة للبيت العالي، دون أن نحصل على أي تفاصيل أخرى من أي نوع.
والحديث هنا لا يدور عن شركة بأرباح أو خسائر، وإنما يدور عن مصير مئات الملايين من البشر الذين ينتظرون فتح مضيق هرمز لمرور الغاز، والأسمدة، ومحاولة التخفيف من آثار المجاعات والكوارث التي ستعقب الأزمة الاقتصادية الحتمية التي ستواجه العالم جراء ما يحدث منذ 28 فبراير الماضي.
قد يبدو أن زيلينسكي جاء ليتحدث عن أوكرانيا، ونتنياهو جاء ليتحدث عن إيران، لكن ما جرى بالتزامن مع الزيارتين يوحي بأن الحدود بين الملفين قد أصبحت أقل وضوحا، فحينما تمتد العمليات العسكرية من بحر قزوين إلى الشرق الأوسط، وحينما تطال الطائرات المسيرة الأوكرانية وسط روسيا، بمساعدة الطائرات الهجومية المسيرة متوسطة المدى التي تصنعها بريطانيا لصالح أوكرانيا، وبدعم المعلومات الاستخباراتية الغربية، تصبح إيران عنصرا حاضرا في حسابات كييف وموسكو ولا أبالغ في القول بكين أيضا. ولا شك أن البيت الأبيض هو الآخر يجد نفسه أمام شبكة أزمات مترابطة، يحاول الحصول منها، كعادة الأمريكي، الحصول على أكبر قدر من المكاسب، وتحويل الخسائر إلى الحلفاء.
وكما قال كيسنجر يوما: "قد يكون من الخطر أن تكون عدوا للولايات المتحدة، لكن أن تكون صديقا فهو أمر قاتل Fatal".
يبدو ترامب في هذا المثلث الدموي مركزا للثقل، بينما يحاول كل من زيلينسكي ونتنياهو المنافسة على الأولوية في أجندته. فالرجل يواجه التسوية الأوكرانية من ناحية، وحرب غزة وما يرتبط بها من ملفات إيران وسوريا ولبنان والعراق من جهة أخرى.
وكأن لسان حال زيلينسكي يقول: "لا تنس أوكرانيا، ولا تساوم موسكو على حساب كييف، واستمر في الدعم العسكري والسياسي"، ولسان حال نتنياهو يقول: "الشرق الأوسط أولوية الأولويات وصراع الصراعات ولا تنس أن إيران هي الشيطان الأكبر وأي تفاهم مع طهران سيضر بالمصالح الأمريكية الإسرائيلية". بمعنى أن كل منهما يحاول أن يجعل "حربه هي الحرب الأهم بالنسبة لواشنطن". وواشنطن، كما قال ترامب حين انتخابه "تريد إنهاء الحروب"، حتى أنه يتباهى دائمابإنهاء عدد من الحروب (لم أعد أتابع عددها).
يزعم زيلينسكي أن روسيا لم تعد تواجه أوكرانيا وحدها بل تعتمد على "شبكة من الحلفاء تضم إيران وكوريا الشمالية والصين"، بينما يزعم نتنياهو أن إيران هي "مركز عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بأذرعها في لبنان والعراق واليمن". بمعنى أن إيران أصبحت نقطة الالتقاء بين الملفين الأوكراني والشرق أوسطي. ويتساءل المرء ما إذا كانت كييف فعليا تحاول أن تقنع ترامب بأن الحرب في أوكرانيا ليست حربا أوروبية، بل جزء من مواجهة أوسع مع المحور الذي يضم روسيا وإيران. بمعنى أن هذه الفكرة لو نجحت داخل الإدارة الأمريكية، سيصبح دعم أوكرانيا جزءا من الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران وروسيا معا.
ترامب، من جانبه، لا ينظر إلى الملفين بالمنطق نفسه، ففي أوكرانيا يرغب في وقف الحرب وتقليل الإنفاق الأمريكي وعقد الصفقات مع موسكو، لا سيما فيما يتعلق بالقطب الشمالي الواعد، ودفع الأوروبيين لتحمل العبء الأكبر في الدفاع. في الشرق الأوسط يريد ترامب توسيع النفوذ الأمريكي، واحتواء إيران، ويا حبذا ل شارك في إعادة الأعمار، ولا بأس من فرض رسوم على هرمز إذا ما كان للولايات المتحدة نسبة فيما سيتم تحصيله، ويرغب في الدفع نحو ترتيبات إقليمية جديدة وهيكل أمني خليجي جديد.
يهدف ترامب في أوكرانيا إلى "غلق الملف"، وفي الشرق الأوسط إلى "إعادة ترتيب الملف". بينما يسعى نتنياهو وزيلينسكي إلى "الإبقاء على الملفين مفتوحين" بنفس الحرارة وسخاء التمويل والدعم التكنولوجي والاستخباراتي والعسكري.
نتنياهو وزيلينسكي زعيما عصابة يعملان لدى شركة مساهمة عابرة للقارات يتنافسان على أهم مورد سياسي تمتلكه الولايات المتحدة: اهتمام الرئيس الأمريكي وقرار البيت الأبيض. بينما يسعى رئيس مجلس إدارة الشركة دونالد ترامب إلى الموازنة بين نصيب كلا الزعيمين.
لم يعد البحر الأسود وحده أو مضيق هرمز وحده مسرحا للحرب، بل تنتقل الحرب إلى نطاق جغرافي جديد، ولم تعد واشنطن تدير ملفين منفصلين، بل باتت تواجه شبكة أزمات تتقاطع فيها جبهات أوروبا والشرق الأوسط.
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب