أخبار محلية

اليمن: الحوثيون يحولون المناهج الدراسية إلى ساحة صراع فكري

المنتصف نت- المنتصف نت 31/07/2026 03:18 300 مشاهدة
اليمن: الحوثيون يحولون المناهج الدراسية إلى ساحة صراع فكري

تُعدّ التعديلات التي أجرتها مليشيا الحوثي الارهابية على المناهج الدراسية في اليمن أداة فكرية وسياسية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية وتشكيل وعي الأجيال القادمة وفق رؤيتها، متجاوزة بذلك أدوار التطوير التربوي التقليدية. وتُظهر هذه التغييرات منهجية ممنهجة لإعادة صياغة التاريخ والرموز والمفاهيم الدينية والسياسية، مما يحول الماضي إلى ساحة معركة لضمان بقاء مشروع الجماعة الطائفي.

تدرك مليشيا الحوثي الارهابية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان بقائها، لذا اتجهت نحو التعليم كسلاح مؤثر لغرس أفكارها وتوجيه عقول الأجيال. تتجاوز التغييرات التعليمية مجرد تعديلات شكلية، لتشمل إعادة صياغة الهوية الوطنية، وتحريف الرموز التاريخية، وإعادة تعريف المفاهيم الدينية والسياسية. الجدل الدائر في اليمن اليوم لا يتعلق بكتاب مدرسي فحسب، بل بمستقبل الهوية الوطنية وصورة اليمن كدولة ومجتمع.

تُسعى المليشيا من خلال إعادة إنتاج الماضي وتقديم رواية جديدة للأحداث، إلى منح مشروعها الشرعية التاريخية. لم يعد الصراع عسكريًا فقط، بل امتد إلى الرواية التاريخية ذاتها، حيث تُقدم كتب التاريخ تفسيرًا جديدًا للتاريخ اليمني والإسلامي، يربط بين المشروع السياسي الطائفي للجماعة ومحطات تاريخية ودينية عبر القرون. بهذا، يصبح الماضي مصدرًا لإضفاء الشرعية على الحاضر، وتُقدم الأحداث الراهنة كامتداد طبيعي لذلك التاريخ.

تكمن خطورة هذه العملية في استهدافها للأجيال القادمة التي لن تعرف التاريخ إلا من خلال المناهج الدراسية، حيث يُنظر إلى محتوى المناهج كحقيقة نهائية وليس كقصة قابلة للنقاش. إعادة كتابة التاريخ تتم غالبًا عبر الانتقاء والحذف وإعادة التفسير، مما قد يضخم شخصيات معينة ويختزل أخرى، لتبدو الوقائع وكأنها تسير في اتجاه واحد يخدم فكرة محددة. هذا الصراع على التاريخ هو صراع على الهوية الوطنية وتعريف الدولة ورسم صورة المستقبل.

وتُشير دراسات بحثية، مثل تلك الصادرة عن مركز البحوث والتواصل المعرفي في الرياض، إلى أن التغييرات لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن رؤية متكاملة لإعادة تشكيل البيئة التعليمية، بتعزيز رموز الجماعة وإعادة صياغة المفاهيم التاريخية والدينية. كما رصدت الدراسة تكثيف البعثات الدراسية إلى إيران والعراق وظهور مضامين إقصائية، داعية إلى مزيد من الدراسات حول مصادر المناهج وآثارها المستقبلية.

يصف باحثون ومتخصصون هذه التعديلات بأنها "أخطر جرائم الحوثيين"، لما لها من أثر يمتد لعقود، حيث تُعد المناهج "دستورًا أهم من الدستور السياسي" لتنظيم طريقة التفكير في المجتمع. تحويل المناهج إلى أدوات لنشر الأفكار المتطرفة يُعد جريمة تكرس الانقسام وتغذي الصراع مستقبلًا. وقد وثق المركز اليمني للدراسات والإعلام التربوي أكثر من 1024 تغييرًا في المناهج، شملت إضافة وحذف دروس، وإعادة تفسير نصوص دينية، وتقديم رموز للجماعة كـ"أعلام هدى"، وتصوير مقاتلي الجماعة كـ"مجاهدين".

امتدت التعديلات لتشمل كتب التاريخ والتربية الوطنية، حيث تم إبراز انقلاب 21 سبتمبر 2014 كـ"ثورة"، مقابل تشويه ثورة 26 سبتمبر 1962، وحذف دروس عن دول يمنية قديمة وشخصيات وطنية بارزة، واستبدالها بشخصيات تخدم رؤية الجماعة. كما تم حذف قصص شخصيات إسلامية وعربية بارزة، وإحلال موضوعات عن شخصيات موالية للجماعة. وتكشف مراجعات لمراكز بحثية أن التعديلات اتسمت بالتدرج والشمول، مع تركيز على مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والتاريخ والتربية الوطنية، وتشمل إقحام شعار الجماعة "الصرخة" في تمارين اللغة العربية والحساب، واستخدام رموز وصور ذات طابع عسكري، وتقديم شخصيات الجماعة كنماذج ملهمة. كما تم استبدال مصطلح "الخليج العربي" بـ"البحر الفارسي"، وإعادة تعريف مفاهيم "الوطن" و"العدو".

تشير شهادات مسؤولين سابقين وناشطين يمنيين إلى أن هذه التغييرات جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الوعي والهوية عبر المدرسة، وليس مجرد مراجعات تربوية. ويؤكد مسؤولون سابقون أن الجماعة تعمل على تعديل المناهج "بشكل هادئ" وتُدخل تعديلات تدريجية، وتُخفيها أحيانًا بإصدار طبعات جديدة تحمل تواريخ قديمة. كما تُوظف الأنشطة الصفية واللاصفية لترسيخ مضامين فكرية. وتتفق هذه الشهادات مع تصريحات سابقة لوزير التربية في حكومة الجماعة، الذي دعا إلى تغيير العملية التعليمية وإعادة النظر في الرموز التاريخية، واصفًا المناهج السابقة بـ"الضالة" و"الدخيلة".

يرى باحثون أن التعديلات التعليمية جزء من استراتيجية الجماعة لترسيخ بقائها، حيث تمنح الجماعات ذات الطابع الطائفي التعليم أولوية قصوى كوسيلة فعالة لإنتاج الولاء على المدى البعيد. في الحالة اليمنية، تُعد المناهج جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والسلطة، بتقديم الجماعة كمرجعية دينية وسياسية وتاريخية. التغييرات لم تقتصر على الكتب، بل شملت برامج إعداد المعلمين والأنشطة المدرسية، مما يوسع دائرة التأثير. التعليم يتحول من وسيلة لنقل المعرفة إلى أداة لإعادة إنتاج القناعات السياسية والأيديولوجية، ومعركة المناهج تتعلق بمستقبل اليمن خلال العقود المقبلة.