كشف تحليل حديث صادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أن الأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن لم تعد ناتجة عن الحرب وحدها، بل أصبحت مرتبطة بصورة وثيقة بالنموذج الاقتصادي الذي فرضته مليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها، والذي وصفه بأنه قائم على الجبايات واقتصاد الحرب وإعادة توجيه الموارد بعيدًا عن احتياجات المواطنين.
وأوضح التحليل أن سنوات الصراع أدت إلى تفكيك البنية الاقتصادية للدولة، في ظل انهيار المؤسسات، وتعطل صادرات النفط، واستشراء الفساد، فيما تحمل المدنيون العبء الأكبر لهذه التداعيات، خصوصًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث يعيش معظم سكان البلاد.
وأشار المركز إلى أن الجماعة أنشأت منظومة واسعة من الضرائب والرسوم والتبرعات الإلزامية لتمويل مجهودها الحربي، الأمر الذي أسهم في استنزاف الموارد وتفاقم الفقر، بالتزامن مع تراجع الخدمات الأساسية وازدياد معدلات الجوع، لافتًا إلى أن السخط الشعبي بات يتصاعد حتى داخل الأوساط المقربة من الجماعة.
وأكد التحليل أن اعتراف زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وحديثه عن اضطرار بعض المواطنين إلى أكل أوراق الأشجار أو الاكتفاء بوجبة واحدة يوميًا، يعكس حجم الأزمة المعيشية، لكنه اتهم الجماعة بمحاولة تحميل أطراف خارجية مسؤولية الأوضاع، دون الاعتراف بدور سياساتها الاقتصادية في تعميق الأزمة.
وأضاف أن الحوثيين أعادوا تشكيل القطاع المصرفي والاقتصادي بما يخدم مصالحهم، وضيقوا الخناق على القطاع الخاص عبر فرض المزيد من الجبايات والقيود، إلى جانب إنشاء كيانات اقتصادية مرتبطة بهم، وهو ما دفع العديد من المستثمرين والمنشآت إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة مناطق سيطرة الجماعة، متسببًا بفقدان آلاف الوظائف واتساع دائرة الفقر.
وسلط التحليل الضوء على أزمة رواتب موظفي الدولة، معتبرًا أنها أصبحت أحد أبرز أسباب الجوع في شمال اليمن، إذ لا يزال مئات الآلاف من الموظفين محرومين من رواتبهم المنتظمة منذ سنوات، بينما تعتمد آلية الصرف الحالية على مبالغ جزئية وغير منتظمة، ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية وانكماش الأسواق المحلية.
وأشار المركز إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي، محذرًا من أن تراجع التمويل الدولي لخطة الاستجابة الإنسانية فاقم الأوضاع، حيث لم تحصل الخطة خلال العام الماضي إلا على نسبة محدودة من التمويل المطلوب، بينما لا تزال الاستجابة الإنسانية للعام الجاري تعاني عجزًا كبيرًا.
ودعا مركز صنعاء إلى أن تتضمن أي تسوية سياسية أو حزمة اقتصادية مستقبلية آلية شفافة وخاضعة لرقابة دولية لصرف رواتب موظفي الدولة، مع حماية القطاع الخاص، وضمان بيئة آمنة لعمل المنظمات الإنسانية، مؤكدًا أن التعافي الاقتصادي الحقيقي لن يتحقق ما دامت الموارد تُوجَّه لخدمة اقتصاد الحرب بدلًا من تلبية احتياجات المواطنين واستعادة مؤسسات الدولة.