اليمن في الصحافة الخارجية

بين العجز الأميركي والفائض الصيني.. العالم أمام معادلة اقتصادية مُعقّدة

صحيفة الامارات اليوم 01/08/2026 03:08 256 مشاهدة
بين العجز الأميركي والفائض الصيني.. العالم أمام معادلة اقتصادية مُعقّدة
بين العجز الأميركي والفائض الصيني.. العالم أمام معادلة اقتصادية مُعقّدة

مخاوف من تأثيرات سلبية على تدفقات رؤوس الأموال وأسعار الصرف وصراعات جيوسياسية

يعكس الفائض الصيني ديناميكية معاكسة تتمثل في ضعف الطلب المحلي مقارنة بالقدرة الإنتاجية. رويترز

تسيطر الاختلالات العالمية مجدداً على النقاشات الاقتصادية الدولية، ولأسباب وجيهة. وغالباً ما تنتهي الاختلالات الكبيرة والمستمرة بنتائج سلبية، سواء في شكل انعكاسات مفاجئة لتدفقات رؤوس الأموال، أو تقلبات في أسعار الصرف، أو صراعات جيوسياسية، أو كما حدث في عام 2008، أزمة مالية. ومع تعرّض الولايات المتحدة حالياً لعجز مالي كبير، وعودة الصين إلى تحقيق فوائض كبيرة، تتزايد المخاوف من أن العالم يتجه نحو أزمة أخرى.

ومن المؤكد أن الاختلالات الحالية أصغر من تلك التي سبقت الأزمة المالية العالمية في عام 2008. ففي العام الماضي، اقترب عجز الولايات المتحدة من 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بذروته قبل عام 2008 التي بلغت 6%.

وبلغ فائض الصين 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بأكثر من 9% قبل الأزمة، لكن الفجوات آخذة في الاتساع، وعلى عكس ما حدث في منتصف العقد الأول من القرن الـ21، فإن ذلك يحدث في ظل تزايد حالة عدم اليقين بشأن الأمن الاقتصادي، وسلاسل التوريد، والعملات الاحتياطية، والمنافسة الاستراتيجية، والاستقرار المالي.

وقد أسهمت هذه الاختلالات في عودة النزعة الحمائية، لاسيما في الولايات المتحدة، حيث استخدم الرئيس دونالد ترامب العجز التجاري الأميركي لتبرير فرض رسوم جمركية واسعة النطاق.

من جانبهم، انتقد القادة الأوروبيون بشدة فائض الطاقة الإنتاجية للصناعة الصينية في مجالات السيارات الكهربائية، والبطاريات، والألواح الشمسية.

ونظراً إلى أن «صدمة الصين الثانية» تتركز في هذه القطاعات المتطورة، التي تشمل أيضاً أشباه الموصلات والروبوتات، بدلاً من السلع الاستهلاكية منخفضة الكلفة، فإنها تمارس ضغوطاً على المنتجين في الاقتصادات المتقدمة، وتعيق جهود تحديث الصناعة في مختلف أنحاء العالم النامي.

لكن الاختلالات المستمرة اليوم ليست مجرد مسألة تجارية، إذ تُظهر التحليلات الحديثة التي أجراها صندوق النقد الدولي ومجموعة السبع وبنك إنجلترا، أن هذه الاختلالات مدفوعة في المقام الأول بديناميكيات الادخار والاستثمار المحلية.

في الولايات المتحدة، تكمن المشكلة الأساسية في انخفاض الادخار المالي. ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد عجزاً كبيراً في الميزانية، وتتراكم عليها الالتزامات الخارجية، فإنها تواصل جذب حجم هائل من رؤوس الأموال الأجنبية.

ويعكس ذلك، جزئياً، الطلب المستمر على الأصول المقومة بالدولار، وهو نتيجة لمكانة الدولار بوصفه عملة احتياطية. كما أن الريادة التكنولوجية للولايات المتحدة زادت من جاذبية الأصول المالية الأميركية بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب.

ونتيجة لذلك، تمكنت الولايات المتحدة من تحمل العجز في الميزان التجاري لفترة أطول بكثير من معظم الدول، ما أسهم في تزايد نقاط الضعف المالية التي تتجاوز حدودها بكثير.

فالمستثمرون العالميون معرضون بدرجة كبيرة للأصول المقومة بالدولار، والأسهم، والسندات الأميركية، كما أن محافظهم الاستثمارية تتركز إلى حد كبير في مجموعة ضيقة من الأصول، لاسيما الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وبالتالي، فإن أي تصحيح حاد في الأسواق الأميركية سينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي.

ويعكس الفائض الصيني ديناميكية معاكسة، تتمثل في ضعف الطلب المحلي مقارنة بالقدرة الإنتاجية. وتشمل الأسباب تراجع قطاع العقارات، وارتفاع معدلات الادخار الاحترازي للأسر، في ظل عدم اكتمال شبكة الأمان الاجتماعي والضغوط الديموغرافية. ورغم أن السياسة الصناعية عززت هذه الاتجاهات، فإنها لا تفسر الفائض الصيني تفسيراً كاملاً.

وهذا التمييز مهم، لأنه يغير الآثار المترتبة على السياسات، فإذا كانت الإعانات الصناعية والحواجز التجارية هي المشكلة الرئيسة، فقد توفر الرسوم الجمركية حلاً.

أما إذا كانت المشكلة الأساسية تتمثل في اختلال هيكلي بين المدخرات والاستثمار، فسيكون تأثير التدابير التجارية محدوداً. وفي الواقع، تُظهر الأبحاث الحديثة التي أجراها صندوق النقد الدولي أن تقلبات أسعار الصرف، وتكيف سلاسل التوريد، يعوضان جزءاً كبيراً من التأثير طويل الأمد للرسوم الجمركية في الميزانية العامة.

في نهاية المطاف، تمثل الاختلالات العالمية مشكلات محلية تتطلب حلولاً محلية. ويجب على الولايات المتحدة أن تقلص عجزها المالي تدريجياً، وأن تعزز مرونتها المالية، بينما يتعين على الصين تحفيز الاستهلاك المحلي من خلال تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، ودعم دخل الأسر، والسماح بارتفاع تدريجي في سعر الصرف الحقيقي، وتسهيل تدفقات رؤوس الأموال في الاتجاهين.

كما أن الحد من الدعم المقدم لقطاع الصناعات التحويلية، وتوسيع نطاق الخدمات عالية القيمة، سيدعمان تحول الصين نحو نمو يقوده الاستهلاك.

وتخدم هذه التعديلات مصلحة البلدين، لأن الاستهلاك الممول بالديون وارتفاع الالتزامات الخارجية لا يشكلان استراتيجية نمو طويلة الأجل.

ورغم أن الحل يكمن، في الأساس، في الصعيد المحلي، فإن التنسيق الدولي يظل ضرورياً أيضاً. ففي نهاية المطاف، قد يؤدي التعديل غير المنظم إلى عدم الاستقرار المالي، وتقلب أسعار الصرف، والتوقف المفاجئ لتدفقات رؤوس الأموال، ما سيلحق ضرراً بالغاً بالاقتصادات الناشئة.

وبالتالي، فإن التحدي الرئيس اليوم لا يقتصر على تقليص الاختلالات التجارية، بل يكمن في إدارة نقاط الضعف المالية الناجمة عن تدفقات رؤوس الأموال العالمية الضخمة والمركزة. وتتفاقم هذه النقاط بسبب تركز المحافظ الاستثمارية، والتقييمات المتضخمة لأسهم شركات التكنولوجيا الأميركية، والضغوط المتزايدة في أسواق السندات السيادية. وينبغي على الولايات المتحدة والصين تصحيح الاختلالات الداخلية في كل منهما تدريجياً، وبشكل مسؤول. كما ينبغي للقوى الكبرى الأخرى والمؤسسات الدولية أن تؤدي دورها، وعلى صندوق النقد الدولي ومجلس الاستقرار المالي تعزيز الرقابة على تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، وتمكين آليات الوقاية من الأزمات.

عن «جابان تايمز»

. التحدي الرئيس اليوم لا يقتصر على تقليص الاختلالات التجارية، بل يكمن في إدارة نقاط الضعف المالية الناجمة عن تدفقات رؤوس الأموال العالمية الضخمة والمركزة.

. الاختلالات أسهمت في عودة النزعة الحمائية، لاسيما في الولايات المتحدة، حيث استخدم الرئيس دونالد ترامب العجز التجاري الأميركي لتبرير فرض رسوم جمركية واسعة النطاق.

آخر تحديث للصفحة تم بتاريخ: 31 يوليو 2026 21:32

أعلى