تتكرر النشرات والبيانات العسكرية كشريط سينمائي تالف: مليشيا الحوثي تهاجم جبل هان والمقاومة تدافع، تهاجم الضالع والقوات المشتركة تدافع، تهاجم الساحل الغربي والمقاومة الوطنية تدافع! يبدو أن الجغرافيا اليمنية قد تحولت إلى حلبة ملاكمة أزلية يتمرن فيها المهاجم متى شاء، بينما يتفنّن المدافع في ابتكار أحدث صيحات الصمود المكتبي وتسطير ملاحم البلاغة الإنشائية في كسب الوقت.
عشر سنوات وأكثر من "الدفاع المستميت" الذي لم يحرر شبراً، ومن البيانات الرمادية التي تكتفي برفع أصابع الاستنكار واستجداء عطف المجتمع الدولي، وكأن استعادة الدولة أصبحت هواية موسمية تُمارس بالريموت كنترول من خلف الشاشات الفاخرة.
وبين خنوع الشرعية المزمن، وتخاذل أممي يتغذى على استمرار الأزمات، تضيع حقوق شعب يحترق بنيران العبث الداخلي والتواطؤ الخارجي، لتتحول قاعات الفنادق الفارهة ومكاتب القرار إلى "مقبرة كبرى" للأحلام الوطنية، حيث يخشى الجميع أن ينتهي الكرنفال وتعود الكراسي الخضراء إلى أصحابها الحقيقيين في الداخل.
تحررت البلد وعُدنا إلى الداخل، أين سنجد هذه الإضاءة الساطعة، والخدمات الفندقية الخمس نجوم،
"سعادة الفريق متقاعد (مبرر الاسترخاء)" يقول :يا جماعة الخير، أنتم لا تفهمون أبداً دقة المعادلة العسكرية والسياسية المعقدة التي نديرها باحترافية عالية تثير حسد الجيوش العظمى! الهجوم ليس مجرد نزهة عسكرية أو رفاهية نرتجلها متى ما أردنا، بل هو خطيئة كبرى قد تُغضب "المجتمع الدولي" وتجعل المبعوث الأممي يغضب منا ويحرمنا من وجبات العشاء الفاخرة في عواصم القرار.
نحن هنا نطبق استراتيجية "الدفاع الإيجابي المرن"، وهي نظرية عسكرية فذة تعتمد على امتصاص الصدمات ببطء شديد حتى يمل المهاجم من كثرة ما يضربنا فننتصر عليه نفسياً وعصبياً. فليعلم الجميع أن بقاءنا في الفنادق وارتدائنا بدلات الأناقة ليس هروباً، بل هو رصد دقيق من مسافة آمنة لتحركات العدو عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي.
لو تحررت البلد وعُدنا إلى الداخل، أين سنجد هذه الإضاءة الساطعة، والخدمات الفندقية الخمس نجوم، والمخصصات بالعملة الصعبة التي تحفظ لنا ما تبقى من كرامتنا البنكية؟ دعونا نمارس البطولة الافتراضية بهدوء، واتركوا الأرض لمن يرغب في حراثتها بالدم بينما نحن نحرثها بالبلاغات الصحفية الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
السلام الحقيقي في نظرنا هو أن يستمر الوضع هكذا إلى ما لا نهاية: قتلى هنا، وضحايا هناك،
"ممثل الأمم المتحدة السامي للشجب العنيف والقلق المستمر" قال: باسم الضمير العالمي النائم في العسل، أود أن أؤكد لكم أننا نتابع ببالغ القلق والأسف الشديد هذه الأجواء العدائية التي تقلق راحة طيور النورس في السواحل اليمنية! لقد قمنا بإرسال أكثر من سبعة آلاف خطاب إدانة، وملايين الأطنان من عبارات "القلق العميق"، وعقدنا مئات الاجتماعات المغلقة عبر تطبيق زووم ونحن نرتدي ملابس النوم من النصف التحتي، ومع ذلك للأسف لا أحد يستمع لنصائحنا السلمية!
نطلب من الطرف المهاجم أن يخفف من قصفه قليلاً حتى لا نضطر إلى إصدار بيان قلق إضافي يفسد عليه مزاجه، ونطلب من الطرف المدافع أن يستمر في سياسة "الخدد الملطومة" لكي لا يتهمنا أحد بأننا ندعم طرفاً على حساب آخر.
إن السلام الحقيقي في نظرنا هو أن يستمر الوضع هكذا إلى ما لا نهاية: قتلى هنا، وضحايا هناك، وخطابات استجداء هنا، ومرتبات استثنائية لموظفي المكاتب الأممية هناك. إياكم ثم إياكم أن تفكروا في الحسم العسكري، لأن الحسم ينهي ميزانياتنا ويقضي على فرصنا السياحية في إدارات الملفات المنسية حول العالم.
الوطن بالنسبة لنا ليس سوى شركة مساهمة كبرى، أسهمها تُتداول في بورصات الولاءات الإقليمية
"خبير الاستراتيجيات الفندقية وتجارة الأزمات" قال: دعونا نتكلم بصراحة وبعيداً عن الشعارات العاطفية التي عفى عليها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب حتى امتلأت بطون المتاجرين بالدماء! الوطن بالنسبة لنا ليس سوى شركة مساهمة كبرى، أسهمها تُتداول في بورصات الولاءات الإقليمية، وأرباحها توزع بانتظام على أسماك القرش الكبيرة التي تتغذي على آلام البؤساء في الداخل.
هل تعتقدون حقاً أننا مجانين لنترك غرف الفنادق المكيفة، وبروتوكولات استقبال الشخصيات، والمؤتمرات الدولية التي تُعقد على شرف مآسينا، لنعود إلى قرى مدمرة لا كهرباء فيها ولا ماء ولا حتى واي فاي مستقر؟
المقاومة الحقيقية اليوم هي مقاومة قطع الراتب والمخصصات، والدفاع الأشرس هو الدفاع عن بقاء مصالحنا العابرة للحدود والقارات. أما أولئك المغفلون الذين يتقاتلون في جبل هان والساحل والضالع، فهم ليسوا سوى "كمبارس" مجاني في مسرحية هزلية أبطالها الحقيقيون يجلسون في قاعات المؤتمرات الفاخرة يحتسون القهوة ويرسمون خرائط الوهم للعام القادم والقرن القادم.
عشر سنوات وأنتم ترددون نفس الاسطوانة المخشوشة عن الدفاع والمفاوضات والسلام
"مواطن صابر من قلب العذاب المنسي" قال: يا سادة ياكرام، ويا أصحاب البدلات الأنيقة والكروش النامية على حساب دموعنا ولقمة عيالنا، هل تسمعون صراخ الأمهات اللاتي فقدن أولادهن عبثاً على جبهات بلا قيادة ولا أفق؟
نحن لسنا سوى أرقام في نشرات أخباركم البائسة، نقتل كل يوم ببطء شديد بين سندان قذائف الميليشيا ومطرقة صمت "الشرعية" التي تبدو وكأنها شريكة في الجريمة وليست خصماً لها. عشر سنوات وأنتم ترددون نفس الاسطوانة المخشوشة عن الدفاع والمفاوضات والسلام, بينما بيوتنا تهدمت، ومستقبل أطفالنا تبخر، وصبرنا نفذ حتى صار الجنون أرحم بكثير من عقلكم السياسي البليد.
لو كنتم تملكون ذرة شرف واحدة أو رمقاً من غيرة وطنية، لما تركتونا للموت المجاني بينما أنتم تقسمون كعكة السلطة والمال في عواصم الشتات كأنكم ورثة تركة أبيكم. عيب ثم عيب ثم عيب، وليتكم تدركون أن غضبة الحالمين والبسطاء القادمة لن تترك لكم فندقاً تأوون إليه ولا مصرفاً تحتفظون فيه بما نهبتموه من عرق هذا الشعب المظلوم.
الأمم المتحدة تجد في هذا الصراع الممتد "بقرة حلوب"
"محلل سياسي محايد بلا ضمير ولا مبدأ" يقول:
الواقعية السياسية تفرض علينا أن ننظر للأمور بمنظور براغماتي بحت، فالحرب في اليمن تحولت إلى مؤسسة اقتصادية قائمة بذاتها، لها موظفوها، ومستشاروها، وشركات امنها، ومستفيدوها الكبار في الداخل والخارج.
المليشيا استفادت لتثبيت حكم الأمر الواقع، والشرعية استفادت لضمان استمرار الامتيازات والمواقع دون أي التزامات حقيقية تجاه تحرير الأرض أو خدمة المواطن المسكين.
الأمم المتحدة بدورها تجد في هذا الصراع الممتد "بقرة حلوب" تبرر وجود مكاتبها الضخمة وميزانياتها المليونية التي تذهب رواتب ومكافآت لجيش من البيروقراطيين الكسالى. إذن، من المستفيد من الهجوم أو الدفاع؟ لا أحد سوى تجار الحروب وسماسرة الشعارات، أما المواطن الذي ينتظر أن تُستعاد محافظاته، فهو ببساطة يشهد فصلاً جديداً من العبث المنظم الذي يُدار بعناية فائقة لضمان بقاء الوضع على ما هو عليه حتى يرتوي العالم أجمع.
أنتم والعدو وجهان لعملة واحدة اسمها استنزاف الوطن حتى الموت
"عسكري محبط في خندق بلا ذخيرة ولا أمل" قال: أنا أقف هنا في هذا الجليد والبرد وتحت رصاص القنص اليومي، أدافع عن خندق بلا طلقات وبلا رواتب وبلا حتى وجبة غذاء تقيم صلبي، بينما أسمع عبر الراديو بيانات قادتنا عن "الانتصارات الدفاعية" المزعومة! أي دفاع هذا الذي يجعلنا نتحول إلى أهداف ثابتة لرصاص العدو بينما الأوامر العليا تأتينا بوضوح: "إياكم أن تتقدموا خطوة واحدة لكي لا تغضبوا الأمم المتحدة والسيد المبعوث الدولي!
" لقد خذلتمونا يا من تتبجحون بالشرعية من فوق منصات الفنادق، بعتم دماء رفاقنا بثمن بخس، وحولتم المؤسسة العسكرية إلى متجر لجمع التبرعات وتبييض الأموال والولاءات الشخصية. والله لو انضممنا إلى صفوف العدو لكان أهون علينا من أن نكون حطباً لنيران صراعاتكم الباردة وحساباتكم الخبيثة التي لا تقيم وزناً لشهيد سقط أو جريح يتألم. ارفعوا أيديكم عنا، وتوقفوا عن المتاجرة بأسمائنا في بياناتكم الاستعراضية، فأنتم والعدو وجهان لعملة واحدة اسمها استنزاف الوطن حتى الموت.
الختام:
في نهاية المطاف، يتضح جلياً أن معادلة "الهجوم والدفاع" اليمنية ليست سوى مسرحية صامتة ومتقنة الإخراج، يدير فصولها ممثلون محترفون في فن الهروب من المسؤولية، ومخرجون أمميون يعشقون إطالة عرض مأساوية بلا نهاية سعيدة. لقد تساوى المهاجم الذي يبحث عن تكريس غطرسته بالمدافع الذي اتخذ من العجز وظيفة ومن الاستجداء عقيدة، وبات الجميع يتقاسمون كعكة الخراب على مائدة طويلة تمتد من صنعاء المكلومة إلى أروقة الفنادق الفاخرة في الشتات. وحين يصحو الضمير الوطني يوماً ليحاسب هؤلاء جميعاً، لن يجد سوى أرشيف ضخم من البيانات البائسة، وقامات تنحني للرواتب والامتيازات، وشعبٍ أثخنته الجراح لكنه يملك من الوعي ما يكفي ليدرك أن من أضاع الأرض بالبيانات لن يستعيدها إلا بسواعد الأحرار الحقيقيين لا بدموع ومؤتمرات تجار الفنادق.