أخبار محلية

اليمن.. جمر الداخل وبندقية الخلاص

اليمن.. جمر الداخل وبندقية الخلاص

لم تعُد المأساة اليمنية بحاجة إلى شواهد لإثبات فداحتها، فكل تفصيل في حياة اليمنيين بات جرحاً غائراً ينزف قهراً وجوعاً وتبديداً للهوية. 

واليوم، ومع عودة قعقعة السلاح على جبهات القتال، وتصاعد سُحب الدخان لتعلن انقشاع أوهام الهدن الهشة، يقف اليمن أمام لحظة الحقيقة الفارقة؛ لحظة لم يَعد فيها متسع للمناورة، ولا خيار يلوح في الأفق سوى الحسم العسكري لإنهاء كابوس الانقلاب الحوثي السلالي. 

لكنَّ المفارقة الصادمة والموجعة تكمن في معادلة الانتظار المتبادل التي تكبّل هذا الخلاص المأمول.

في مناطق سيطرةِ المليشيا الحوثية، بلغ الاحتقان الشعبي مداه، واختنقت الصدور تحت وطأة الإذلال الممنهج، والنهب المنظّم للأقوات، وتجريف الهوية السبئية لحساب مشروع طائفي غريب. 

هناك، يقبع ملايين اليمنيين في سجن كبير، يلوكون الصبر على جمر الترقب، وتتطلع عيونهم صوب جبهات الجيش الوطني والحكومة الشرعيّة ومجلس القيادة الرئاسي، ينتظرون زحفاً يكسر القيود، وتقدماً يزلزل عروش الطغاة، مراهنين على أن الواجب الوطني والأخلاقي يحتم على حامل راية الشرعية أنْ يتقدّم لإنقاذ رعيته.

وفي المقابل من هذا المشهد، تقف الشرعية بمؤسساتها وقواتها المشتركة، تصعيداً عسكرياً وتُرتب صفوفها، لَكنها، في ذات الوقت- تَرنُو بعينيها نحو الداخل الحوثي المنهك، مترقبةً شرارة انتفاضة شعبية وثورة عارمة تأكلُ الأخضر واليابس تحت أقدام السلالة، ظناً منها أن الداخل قدْ نضج بما يكفي للانفجار، وأن على الضحية المحاصرة بالحديد والنار أن تبدأَ بقص حبال المشنقة بيديها العاريتين.

هذا الترقب المتبادل هو المعضلة الكبرى التي تُطيل عمر المعاناة. 

إنَّ الرهان على انتفاضة عزلاء تسقطُ نظاماً مدججاً بالوحشية وأدوات القمع الإيرانية هو رهان يفتقر إلى الواقعية السياسية والعسكرية؛ فالشعوب المحاصرةُ بالخوف والجوع بحاجة إلى رافعةٍ عسكرية تحمي غضبتها، وتمنح تضحياتها أفقاً للانتصار. 

وبالمثل، فإن اندفاع الجيش نحو الحسم دون حاضنة داخلية تتأهب للالتحام به وتسهيل مَهمتِه، قد يجعل الفاتورة باهظة والطريق محفوفاً بالكمائن.

لقدْ أدرك اليمنيّون، بعد سنوات من الخيبات السياسية والمبادرات الميتة، أنّ هذا المشروعَ السلالي لا يؤمن بالسلام ولا يفهم لغة الحوار، وأن الحسمَ العسكري، ليس مجرد خيار تفضيلي، بل هو الضرورة الوجودية القصوى والوحيدة. 

لم يعد هناك خيار آخر لإنقاذ اليمن من براثن الموت والتشظي، وإعادة صياغة الدولة، بوجهها الجمهوري الأصيل.

لذلك، يجب أنْ تتحول معادلة الانتظار المتبادل فوراً إلى معادلة التكامل المتزامن.

 لا ينبغي للداخل أنْ يكتفي بالانتظارِ السلبي، بل عليه الاستعداد النفسي والقبلي والتنظيميّ للحظة الصفر. 

ولا يجوز للخارج الشرعية ومكوناتها، أن يعلّق عجزَه او تأخره، أو تردده على شماعة انتظار الثورة الشعبية. 

إن التقدم العسكري الحقيقي والجريء على الأرض هو المشعل الذي سيوقد ثورة الداخل، وإن رصاصة الجيش في الجبهة هي التي ستُحرر صرخة المقهورين في صنعاءَ وعمرانَ وذمار، وإب، والحديدة.

الخلاص لن يصنعه التلاوم ولا الترقب، بل تصنعه الإرادة الوطنية الشجاعة التي تلتحم بندقية المقاتل في المتراس بصوت المظلوم تحت حراب الانقلاب.