اكتشاف علمي جديد يفتح آفاقاً لفهم أعمق لعملية الشيخوخة، حيث كشفت دراسة حديثة أن الخلايا الجذعية الموجودة في نخاع العظام، والتي تُعرف بدورها الحيوي في إنتاج خلايا الدم والجهاز المناعي، قد تكون لها بصمة أوسع في علامات التقدم بالعمر التي تظهر في مختلف أعضاء الجسم.
فبينما تخدم العظام وظيفتها الأساسية في دعم الجسم، فإنها تحتضن في جوفها مصنعاً حيوياً لا يتوقف عن العمل؛ إنه نخاع العظم. ومن هذا المصنع، تنطلق الخلايا المناعية في رحلة عبر مجرى الدم لتصل إلى العضلات، الرئتين، الدماغ، وغيرها من أركان الجسم. وعندما تبدأ هذه الخلايا الجذعية المنتجة في التقدم بالعمر، فإن تأثيرها قد لا يتوقف عند حدود العظام، بل قد يمتد ليساهم في ظهور علامات الشيخوخة في أماكن أخرى.
وقد توصلت دراسة علمية حديثة، نُشرت تفاصيلها عبر موقع «ساينس آليرت»، إلى أن هذه الخلايا الجذعية الدموية المتقدمة في العمر قد تلعب دوراً في تجسيد مظاهر الشيخوخة في أماكن مختلفة، وذلك من خلال إفراز خلايا مناعية تحفز حدوث الالتهاب. ورغم أن الالتهاب يُعد آلية دفاعية طبيعية قصيرة الأمد ضد العدوى والإصابات، إلا أن استمراره بمستوى منخفض على مدى سنوات قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالأنسجة السليمة.
وقد ركز الباحثون في هذه الدراسة، التي أُجريت على فئران، على بروتين يُعرف باسم «SIRT3»، وهو بروتين يلعب دوراً هاماً في الحفاظ على كفاءة الهياكل المنتجة للطاقة داخل الخلايا ومقاومة الإجهاد. وقد لوحظ أن مستويات هذا البروتين تتناقص مع التقدم في العمر في الخلايا الجذعية الدموية لدى كل من الفئران والبشر.
وللتحقق من هذه الفرضية، قام العلماء بتعديل خلايا دم جذعية لدى فئران وراثياً لزيادة إنتاجها من بروتين «SIRT3»، ثم قاموا بزراعة هذه الخلايا في فئران صغيرة السن تعاني من ضعف في جهاز المناعة. وأثمرت عمليات الزراعة عن إعادة بناء فعالة للدم والجهاز المناعي لدى هذه الفئران.
وبعد تقدم الفئران في العمر، لوحظ في تلك التي تلقت الخلايا المعدلة انخفاض ملحوظ في عدد الخلايا المناعية المحفزة للالتهاب. ولم تقتصر التحسينات على الدم فحسب، بل امتدت لتشمل أداءً أفضل في اختبارات الذاكرة، وقدرة أكبر على تنظيم مستويات السكر في الدم، وصحة أفضل للرئتين، وقدرة على الجري لمسافات أطول. وتؤكد نتائج هذه الدراسة، بحسب الباحثة الرئيسية الدكتورة دانيكا تشِن، على أن التغيرات التي تبدأ في الخلايا الجذعية للدم قد تنتقل تأثيراتها إلى أعضاء بعيدة عبر الخلايا المناعية التي تنتجها.
وتضيف هذه النتائج إلى الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن الجهاز المسؤول عن إنتاج الدم قد يكون له دور أكبر في عملية الشيخوخة مما كان يُعتقد سابقاً، خاصة وأن الالتهاب المزمن منخفض الدرجة يمثل عاملاً مساهماً في تلف الأنسجة السليمة على المدى الطويل. ومع ذلك، يؤكد الباحثون على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات الشاملة على البشر لتأكيد هذه النتائج.